عبدالله علوان يكتب التضخم في السودان. . حين ترتفع الأسعار ويهبط الإقتصاد.

منذ أن أصبحت النقود وسيطاً أساسياً للتبادل من خلال وظائفها الأساسية في الاقتصاد، ظل استقرار الأسعار أحد الشروط الجوهرية لاستقرار النشاط الاقتصادي، ومعدل التضخم ليس مجرد ارتفاع عابر في سعر سلعة أو خدمة، وإنما ارتفاع مستمر وواسع في المستوى العام للأسعار خلال فترة زمنية معينة، بما يؤدي إلى إنخفاضالقوة
الشرائية للنقود، ويقاس معدل التضخم عادة بالتغير في مؤشر أسعار المستهلك، الذي يعكس تكلفة سلة من السلع والخدمات التي تستهلكها الأسر.
وتزداد أهمية فهم معدل التضخم في السودان لأن المواطن لا يتعامل معه كمفهوم إحصائي، بل يراه يومياً في أسعار الغذاء والدواء والمواصلات والإيجارات والتعليم والطاقة، و قد بلغ معدل التضخم السنوي في السودان لشهر يوليو الماضي للعام الجاري 2026م نحو 41.61%، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء في السودان، وسط استمرار ضغوط الأسعار وتراجع قيمة الجنيه، وللتضخم أنواع متعددة بحسب مصدره وطبيعته، فهناك تضخم الطلب عندما يتجاوز الطلب الكلي قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات، وتضخم التكاليف عندما ترتفع تكاليف الإنتاج والنقل والطاقة ومدخلات الإنتاج، فينتقل أثرها إلى المستهلك، وهناك التضخم النقدي المرتبط بزيادة عرض النقود بصورة تفوق نمو الإنتاج، إضافة إلى التضخم المستورد الذي يظهر عندما ترتفع تكلفة السلع المستوردة نتيجة ارتفاع أسعارها عالمياً أو تراجع سعر العملة الوطنية، كما يوجد التضخم الهيكلي، وهو الأكثر ارتباطاً بالاقتصاديات التي تعاني اختلالات مزمنة في الإنتاج والأسواق والبنية المؤسسية.
وفي السودان تتداخل هذه الأنواع بصورة واضحة، فالحرب أضعفت الإنتاج الزراعي والصناعي، وعطلت النقل وسلاسل الإمداد، ورفعت تكاليف التشغيل، بينما أدى تراجع قيمة الجنيه إلى زيادة تكلفة الواردات، وفي الوقت نفسه فإن الاختلال المالي والنقدي يمكن أن يضيف ضغوطاً جديدة على الأسعار، لذلك فإن التضخم السوداني لا يمكن تفسيره بعامل واحد، وإنما هو نتيجة تفاعل بين النقد والإنتاج وسعر الصرف والمالية العامة والأمن الاقتصادي.
أما كيفية حساب التضخم، فتبدأ ببناء سلة استهلاكية تمثل نمط إنفاق الأسر، وتحديد وزن لكل مجموعة بحسب أهميتها في الإنفاق، ثم تجمع أسعار السلع والخدمات بصورة دورية، ويُحسب مؤشر أسعار المستهلك CPI. ومن أبسط صور حساب التضخم:
معدل التضخم = (مؤشر الأسعار في الفترة الحالية − مؤشر الأسعار في الفترة السابقة) ÷ مؤشر الأسعار في الفترة السابقة × 100.
فإذا ارتفع مؤشر الأسعار من 200 إلى 220، فإن معدل التضخم يكون 10%. وفي السودان يستخدم الجهاز المركزي للإحصاء مؤشر أسعار المستهلك، وتاريخياً بُني المؤشر على سلة وأوزان تعكس أنماط إنفاق الأسر، مع استخدام صيغة لاسبير في الحساب.
لكن الخطأ الأكبر هو التعامل مع رقم التضخم باعتباره مجرد رقم إحصائي، فارتفاع معدل التضخم يعني تآكل الأجور الحقيقية، وانخفاض قيمة المدخرات، وارتفاع تكلفة الإنتاج، وزيادة الفقر، واتساع الفجوة الاجتماعية، وتراجع القدرة على التخطيط والاستثمار.
لذلك فإن مواجهة التضخم في السودان تبدأ من إعادة بناء الإنتاج قبل مطاردة الأسعار، وضبط التمويل النقدي للعجز، واستقرار سعر الصرف، وإصلاح المالية العامة، وتأمين سلاسل الإمداد، وتوجيه التمويل نحو الزراعة والصناعة والإنتاج الحقيقي.
فإذا ظل الاقتصاد يعالج ارتفاع الأسعار دون معالجة أسباب انهيار الإنتاج وقيمة العملة، فإن معدل التضخم لن يكون مجرد مشكلة اقتصادية، بل قد يتحول إلى أزمة ثقة في الجنيه وفي قدرة الدولة على حماية القوة الشرائية للمواطن. والسؤال الذي يجب ألا يؤجل: إلى متى نعالج أعراض التضخم، بينما تظل جذوره قائمة؟
فتكم بعااافية…نواصل@
