حوارات

عضو مركز جبال النوبة للحوار والتخطيط الاستراتيجي بالمملكة المتحدة

د. سلام توتو لـ”كوشي”:

الحركة الشعبية وقعت في فخ خطير وضربت بمبادئها عرض الحائط وتحالفت مع مليشيات إرهابية

الحركة الشعبية ضحت بإرثها النضالي الكبير من أجل الحصول على شرعية سياسية زائفة.

الإمارات في الوقت الراهن تبحث عن حليف قوي يعيد الجنجويد إلى الواجهة لتأمين مصالحها في السودان.

أبناء جبال النوبة يرون أن هذا التحالف قد يؤدي إلى مزيد من تعقيد الوضع العسكري والسياسي في البلاد.

في وقتٍ تمر فيه السودان بأزمة سياسية خانقة، يبرز اسم عبد العزيز الحلو، رئيس الحركة الشعبية/شمال، بعد توقيعه ميثاقًا جديدًا مع قوات الدعم السريع في نيروبي. هذا التوقيع أثار تساؤلات واسعة حول تداعيات هذه الخطوة في ظل الفراغ السياسي الراهن في البلاد، ويطرح تساؤلاً مهماً: هل ستكون هذه الخطوة بداية لحل الأزمة أم أنها ستزيد من تعقيد الوضع؟

تتزامن التحركات الأخيرة مع تصاعد الانقسامات الداخلية في السودان، وتزايد المخاوف من تفاقم الأوضاع بدلاً من إيجاد حلول حقيقية للأزمة. في هذا السياق، تزداد التساؤلات حول إمكانية تشكيل حكومة موازية، وهو ما يلقى رفضاً واسعاً من أبناء جبال النوبة لهذه الخطوة، إلى جانب الاعتراضات الإقليمية والدولية التي قد تعمق أزمة السودان وتضعف قدرته على الاستجابة لمتطلبات استقراره. يرى البعض أن هذا التحرك قد يكون مجرد تكريس للانقسام الداخلي، مما يفتح الباب لتدخلات خارجية تهدد وحدة البلاد واستقرار المنطقة.

في هذا الحوار، نناقش مع د. سلام توتو، عضو المكتب التنفيذي لمنظمة شعب جبال النوبة في بريطانيا، وعضو مركز جبال النوبة للحوار والتخطيط الاستراتيجي بالمملكة المتحدة، تأثير التحالفات السياسية على الوضع في جبال النوبة ومستقبل الحركة الشعبية كقوة سياسية. كما نتناول دور القوى الإقليمية مثل الإمارات في التأثير على المشهد السوداني، وكيف يمكن لهذه التحركات أن تساهم أو تعرقل العملية السياسية في البلاد.

حاورته: فدوى خزرجي

بدايةً كيف ترى عودة عبد العزيز الحلو إلى المشهد السياسي في ظل الوضع السياسي الراهن في السودان ؟

يمكننا أن نفهم عودة عبد العزيز الحلو في سياق الفراغ السياسي الذي يعاني منه السودان حاليًا. في الوقت الذي تتراجع فيه قوات مليشيات الدعم السريع، التي كانت تحظى بدعم قوي من الإمارات، سعى الحلو لملء هذا الفراغ. الإمارات في الوقت الراهن تبحث عن حليف قوي يعيد مليشيات الجنجويد إلى الواجهة لتأمين مصالحها في السودان، خاصة في ظل التغيرات الإقليمية والدولية.

في ظل التطورات الحالية، هل تعتقد أن تشكيل الحكومة الموازية وظهور عبد العزيز الحلو سيسهم في انفراج سياسي أم يزيد من الانقسام؟

في تقديري، من المرجح أن تؤدي هذه التطورات إلى تفاقم حالة الاستقطاب السياسي في السودان. كل طرف يسعى لتعزيز نفوذه دون تقديم أي تنازلات حقيقية. ما لم يحدث تغيير جذري في أسلوب إدارة الأزمة، سيظل السودان عالقًا في دوامة من النزاع والانقسامات، خاصة في ظل تراجع قوات الدعم السريع، وتقلص قدرة الحركة الشعبية على التمدد العسكري خارج مناطق نفوذها التقليدية في جبال النوبة والنيل الأزرق.

كيف ينظر أبناء جبال النوبة إلى هذه التطورات السياسية؟

غالبية أبناء جبال النوبة ومنظماتهم السياسية والاجتماعية يرون أن التحالفات التي تحاول الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو تشكيلها قد لا تصب في مصلحتهم. فهم يتطلعون إلى اتفاقيات تحقق السلام والاستقرار في المنطقة، وليست تلك التي قد تقودهم إلى أتون الحرب والدمار مرة أخرى. كما أن وجود مليشيات الدعم السريع في المنطقة يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن والاستقرار، بسبب سجلهم المظلم في انتهاك حقوق الإنسان خلال الصراعات السابقة، مثلما حدث في لقاوة وهابيلا.

كيف ينظر أبناء جبال النوبة إلى تحالف الحركة الشعبية مع قوات الدعم السريع؟

هذا التحالف قد يزيد من عزلة الإقليم ويحوله إلى جحيم الحرب مرة أخرى. الحركة الشعبية وقعت في فخ خطير وضربت بمبادئها عرض الحائط، وتحالفت مع مليشيات إرهابية ارتكبت العديد من جرائم الحرب وانتهاكات في حق المواطنين في مناطق السودان المختلفة. هذا يتنافى مع مبادئ الحركة الشعبية التي من أجلها حملت السلاح لمدة تزيد عن 40 سنة. أيضًا، هذا التحالف مع قوات الدعم السريع يثير قلقًا شديدًا بين أبناء جبال النوبة. حيث يرون أن هذا التحالف قد يزيد من عزلة الإقليم وقد يؤدي إلى مزيد من تعقيد الوضع العسكري والسياسي في البلاد، خاصة أن قوات الدعم السريع متورطة في انتهاكات حقوقية عديدة في المنطقة. فضلاً عن أن غياب رؤية استراتيجية واضحة من قبل الحركة الشعبية لتحقيق مطالب الإقليم يزيد من الشكوك حول نواياها وقدرتها على تقديم حلول حقيقية.

هل ترفض غالبية أبناء جبال النوبة هذه التحالفات بشكل كامل؟

نعم، هناك رفض شعبي واسع لهذه التحالفات. في الآونة الأخيرة، شهدنا مؤتمرات صحفية من منظمات أهلية وأجسام سياسية محلية ترفض أي اتفاقية قد تعيد المنطقة إلى ساحات الحرب. الناس هنا يعيشون في خوف من أن تجرهم هذه التحالفات إلى دوامة جديدة من العنف والدمار.

هل كانت هناك محاولات سابقة من الإمارات لإقناع عبد العزيز الحلو بالتحالف معها؟

نعم، منذ بداية ثورة ديسمبر المجيدة في 2018، كانت هناك محاولات إماراتية لإقناع الحلو بالدخول في تحالفات مدعومة من الإمارات. حاولوا إغراءه بالتحالف مع المجلس العسكري آنذاك، لكن الحلو ومجلسه القيادي رفضوا هذه العروض بشدة. فالحركة الشعبية لا يمكن أن تتخذ قرارات مصيرية دون أن تخضع لأي أجندة سياسية لمناقشات طويلة ومعمقة.

ماذا عن محاولات الإمارات الأخيرة بعد حرب 15 أبريل 2023؟ هل تغيرت الظروف؟

الإمارات استمرت في محاولاتها، وبعد حرب 15 أبريل 2023، شعرت أن الوقت قد يكون مناسبًا لاستئناف الاتصالات مع الحلو. هذه المرة، قدموا إغراءات مالية ودعماً عسكرياً وسياسياً. كما استخدموا بعض المؤثرين داخل الحركة الشعبية لمحاولة إقناعها بالتحالف مع مليشيات الدعم السريع. لكن الحلو كان دائمًا حذرًا، حيث كانت هذه المحاولات مدفوعة بمصالح الإمارات بشكل أساسي.

كيف ترى التحالف بين الحركة الشعبية ومليشيات الدعم السريع؟

من وجهة نظري، يعد التحالف بين الحركة الشعبية ومليشيات الدعم السريع خطوة محفوفة بالمخاطر، حيث يبدو أن الحركة الشعبية قد وقعت في فخٍ استراتيجي خطير. مليشيات الدعم السريع والدول الداعمة لها لا تتحرك إلا بناءً على مصالحها الخاصة، مما يعني أن الحركة الشعبية قد تُستخدم كأداة لتحقيق أهداف هذه الأطراف، ثم تُتخلى عنها بمجرد أن تنتهي صلاحيتها. الفوارق الأيديولوجية بين الحركة الشعبية ومليشيات الدعم السريع واضحة للغاية، حيث يهدف المشروع السياسي للحركة إلى بناء دولة علمانية وفيدرالية، في حين أن موقف الدعم السريع يتقلب وفقًا لمصالحه العاجلة. إضافة إلى ذلك، استخدمت الإمارات قنواتها الإقليمية والتأثيرات السياسية والاقتصادية لتعزيز هذا التحالف، لكن ذلك يبقى تحالفًا هشًا لا يمكن الاعتماد عليه على المدى الطويل. ففي النهاية، سيجد الطرفان نفسيهما أمام مواجهة صعبة، حيث ستفقد الحركة الشعبية الكثير من مصداقيتها بين الشعب السوداني، ولن تظل العلاقة بين الطرفين مستقرة في ظل التناقضات الأيديولوجية العميقة بينهما.

هل تعتقد أن الحركة الشعبية قد ضحت بإرثها النضالي؟

نعم، للأسف، الحركة الشعبية قد ضحت بإرثها النضالي الكبير من أجل الحصول على شرعية سياسية زائفة. بدلاً من أن تبقى وفية لمبادئها في تحقيق السلام والعدالة والديمقراطية في السودان، اختارت التحالف مع مليشيات الدعم السريع وداعميها، وهو ما يهدد مصداقيتها بشكل كبير في نظر الشعب السوداني. إن هذا التحالف، رغم أنه قد يخدم مصالح أطراف معينة في الوقت الراهن، إلا أنه لا يبشر بمستقبل مستدام للحركة الشعبية.

هل يمكن للحركة الشعبية العودة إلى المسار الصحيح بعيدًا عن هذه التحالفات؟

أعتقد أنه ما زال هناك أمل. إذا تمكنت الحركة الشعبية من العودة إلى مبادئها الأصلية ومواصلة نضالها من أجل حقوق الشعب السوداني بشكل مستقل، يمكنها أن تستعيد ثقة الشعب. لكن هذا يحتاج إلى تحولات جذرية في نهجها السياسي، بعيدًا عن التحالفات التي لا تخدم إلا مصالح قوى خارجية.

هل يمكن أن يشكل أبناء جبال النوبة قوة مؤثرة في المستقبل السياسي للسودان؟

نعم، أبناء جبال النوبة لديهم القدرة على أن يكونوا قوة مؤثرة في المستقبل السياسي للسودان، ولكن هذا مرهون بتوحيد رؤاهم السياسية وتجاوز الخلافات الداخلية. إذا تمكنوا من توظيف قوتهم العسكرية والسياسية بشكل فاعل، فسيكون لهم دور حاسم في أي تسوية سياسية مقبلة.

هل هناك تحركات سياسية تركز على مطالب أبناء جبال النوبة في الوقت الراهن؟

رغم الجهود التي يبذلها البعض لتسليط الضوء على قضايا جبال النوبة، إلا أن الوضع السياسي المتأزم لا يوفر بيئة ملائمة لهذه التحركات. كما أن غياب القيادة الموحدة التي تمثل جبال النوبة بشكل قوي يزيد من صعوبة تحويل هذه المطالب إلى قوة ضغط مؤثرة على طاولة المفاوضات.

ما هي أبرز التحديات التي تواجه أبناء جبال النوبة في ظل التطورات الحالية؟

من أبرز التحديات التي نواجهها هي استمرار النزاع المسلح وتأثيره المدمر على الأوضاع الإنسانية والتنموية في الإقليم. بالإضافة إلى ذلك، هناك غياب تمثيل سياسي قوي يمكنه انتزاع حقوقنا في ظل المشهد المتغير. كما أن الجدل المستمر حول قضية الحكم الذاتي لا يزال يشكل حجر عثرة أمام تحقيق تطلعاتنا السياسية.

“كيف يمكن تفسير التناقض بين تصريحات الحكومة التي تروج نفسها كحكومة سلام، وبين التصريحات العسكرية التي تكشف عن نواياها لتعزيز قدراتها العسكرية، وما تأثير ذلك على شرعيتها السياسية والأمنية؟”

تتجلى في الساحة السياسية أزمة كبيرة تتعلق بمصداقية الحكومات والشرعية السياسية. ففي الوقت الذي تُروَّج فيه الحكومة بأنها “حكومة سلام”، تتناقض هذه الادعاءات مع التصريحات العسكرية التي تنكشف بين الحين والآخر، حيث يؤكد بعض القادة العسكريين أن الهدف الرئيس من الحكومة هو امتلاك طائرات مقاتلة ومضادات جوية. هذا التوجه العسكري يثير تساؤلات جدية حول نوايا الحكومة الحقيقية.

أما فيما يتعلق بالشرعية السياسية، التي تعد أساس وجود الحكومة، تجد نفسها في موقف حرج. ففي الوقت الذي تبذل فيه الحكومة جهدها لإقناع المجتمع المحلي والدولي بأنها تسعى لتحقيق السلام، تشير التصريحات العسكرية إلى أن الهدف الأساسي لها هو الإعداد لحرب أكبر وأكثر تعقيداً. هذه المفارقة تعكس حالة من الغموض في الخطاب الرسمي، وتثير شكوكاً حول استراتيجيات الحكومة واهتماماتها الفعلية.

نزع الشرعية في هذا السياق يصبح أمراً محتملاً، إذ أن اختلاط التصريحات بين الدعوات للسلام والتوجهات العسكرية قد يؤثر بشكل سلبي على صورة الحكومة داخلياً وخارجياً. بينما يبدو أن الحكومة تسعى لتعزيز حضورها السياسي والشرعي، فإن استعداداتها العسكرية قد تدفع البعض إلى إعادة تقييم مواقفهم تجاهها، الأمر الذي قد يضعف قدرتها على فرض شرعيتها في ظل هذه التناقضات.

وبالتالي، يصبح من الواضح أن مثل هذه التناقضات بين خطاب السلام والواقع العسكري قد تقود إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث تتفاقم الأزمة السياسية والأمنية، وتزداد الشكوك حول النوايا الحقيقية لهذه الحكومة.

فيما يتعلق باعتراف المجتمع الدولي بالحكومة الموازية، كيف ترى هذا التطور؟

من خلال المتابعة، يبدو أن المجتمع الدولي لا ينوي الاعتراف بهذه الحكومة الموازية. فقد أشارت تصريحات العديد من الدول، بما في ذلك بريطانيا وأمريكا والصين وروسيا، إلى أنها لن تحصل على الدعم الدولي الكافي للاعتراف بها. من وجهة نظري، فإن هذه الحكومة ليست سوى خطوة تكتيكية من أجل وضع الأطراف المتصارعة في تحالفات معينة لتسهيل المفاوضات وإنهاء الحرب. ولكنها لن تحظى باعتراف دولي رسمي، وهذا ما سيجعلها حكومة صورية.

في ختام حديثك، كيف ترى المستقبل السياسي للسودان في ظل هذه التطورات؟

المستقبل السياسي للسودان لا يزال غامضًا، وما لم يتم التوصل إلى تسوية حقيقية تجمع كل الأطراف السودانية، فإننا سنظل في دوامة من الصراع والانقسام. الحل الوحيد يكمن في الحوار الجاد والالتزام بتقديم تنازلات حقيقية من جميع الأطراف، دون الاستمرار في سياسات الحرب والتطرف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى