كابوس السيولة النقدية… مواطنون بلا نقود وحرب تجفف الجيوب

تقرير : سحر علي
في مشهد أصبح يومياً في أحياء الخرطوم، يصطف مئات المواطنين منذ الفجر أمام ألمصارف التي نضبت معظم سيولتها البعض يحمل حقائب فارغة والبعض الآخر ينتظر لساعات فقط ليحصل على مبلغ لا يتجاوز 10 آلاف جنيه سوداني بينما يحتاج لتوفير لقمة العيش لعائلته التي تعاني الأمرين من انقطاع الرواتب وارتفاع الأسعار.
“أتجول منذ الصباح بين عدد من البنوك كلها صفوفها طويلة و أولادي بحاجة للحليب والدواء والراتب محبوس في الحساب”هكذا قال محمد عثمان (45 عاماً)، رب أسرة من ستة أفراد، وسط بكاء طفلته الصغرى التي كانت ترافقه في رحلة البحث عن النقود الورقية.
*سياسة “الإحلال النقدي” بين الحرب والاقتصاد
في ديسمبر 2024، أعلن بنك السودان المركزي عن عملية استبدال فئتي 500 و1000 جنيه سوداني بفئات جديدة محدثة، في قرار استهدف بحسب الحكومة مكافحة التزوير وسحب الأموال المنهوبة من مليشيات الدعم السريع لكن سرعان ما تحول القرار إلى كابوس حقيقي للمواطنين في ولاية الخرطوم، حيث تحولت البنوك إلى متاهات بيروقراطية، وأجهزة الصراف إلى صناديق حديدية صامتة.
وقال وزير المالية جبريل إبراهيم في تصريحات صحفية سابقة ” ان هذه العملية تساعد القطاع المصرفي وتمكن الدولة من تمويل جهود الحرب والإنتاج” لكن الخبير الاقتصادي يعقوب عبدالله رايه عكس ذلك تماماً وقال
ما حدث هو تسليح للاقتصاد ضد المواطن البسيط. الحكومة أرادت تجفيف منابع تمويل المليشيات لكن النتيجة كانت تجفيف جيوب المواطنين البنوك لم تكن مستعدة لاستقبال هذا الحجم من السيولة الورقية، ولا لتوزيع النقد الجديد بالشكل المطلوب
*معاناة يومية
اذ يعاني المواطنين من طوابيروعمولات وأسواق موازية و اوضحت المواطنة طيبة حسين (52 عاماً) التي فقدت زوجها في الحرب تقول: “راتب زوجي التقاعدي 33 ألف جنيه ذهبت للبنك ثلاث مرات لأستلمه المرة الأولى طلبوا مني بصمة والثانية قالوا النظام عطلان، والثالثة قالوا السيولة خلصت دفعت أكثر من 9آلاف جنيه مواصلات ولم أحصل على قرش واحد.
ومع تفاقم الأزمة، ظهرت سوق سوداء جديدة، حيث يبيع بعض المواطنين عملاتهم القديمة بخصم يصل إلى 20% مقابل الحصول على عملات جديدة أو تحويلات بنكية في الطرف الآخر ينتشر تجار “السيولة الفورية” الذين يقفون لساعات أمام الصرافات لسحب الحدود المسموحة ثم يبيعون النقود للمضطرين بعمولة تصل إلى 30%.
(ويعتبر هذا ابتزاز واضح ) هذا ما قاله الهادي بينما كان يدفع 5000 جنيه عمولة مقابل الحصول على 20 ألف جنيه نقداً لشراء الدواء لوالدته المريضة.
*أرقام صادمة.. ونظام “بنكك” الذي لم ينقذ الموقف
بحسب مصرفيين تصل نسبة النقد المتداول خارج القطاع المصرفي إلى أكثر من 96% من إجمالي المعروض النقدي، وهو مؤشر خطير على انهيار الثقة في النظام المالي. وحاولت الحكومة الترويج لتطبيق “بنكك” كبديل رقمي، لكن ضعف الإنترنت، وانقطاع شبكات الاتصالات في الخرطوم، وانعدام الهواتف الذكية لدى الغالبية جعل من الحل الرقمي “وهمياً”
*في المقابل.. من يربح من الأزمة؟
تقف البنوك التجارية عاجزة عن تلبية الطلب فيما تواصل الحكومة إلقاء اللوم على المواطنين “لعدم إيداع أموالهم” لكن المراقبين يتحدثون عن مستفيدين كبار من هذه الفوضى المالية عصابات السوق الأسود وبعض شركات الصرافة غير المرخصة بل وحتى بعض قادة الميليشيات الذين يحولون أموالهم عبر الحدود إلى عملات صعبة هرباً من المصادرة.
في المقابل، يدفع المواطنين الثمن الأغلى وقد أشارت تقارير أممية بأن أزمة السيولة عطلت توزيع المساعدات الغذائية على أكثر من 4 ملايين نازح لأن المنظمات لم تعد قادرة على دفع أجور العمال والعربات نقداً.
*تحذير من انهيار وشيك
في ظل غياب حلول جذرية يحذر خبراء من أن استمرار شح السيولة سيدفع إلى انهيار تام للمعاملات التجارية في الخرطوم خاصة ان الأسواق تعاني، والبائعون يرفضون البيع نقداً أو إلكترونياً، والمستهلك عالق بين فكي كماشة الفقر والفوضى المالية.
يقول أستاذ الاقتصاد بجامعة الخرطوم د. عادل كرار في تصريحات صحفية “إذا لم تتدخل الحكومة فوراً بتوفير السيولة، وتوسيع نطاق أجهزة الصراف، ومراجعة سياسة الإحلال العشوائية، فسنشهد انهياراً اقتصادياً مصغراً في العاصمة قبل نهاية العام. وسيندفع الناس نحو مقرات البنوك بعنف”.
*ورق بلا قيمة، أو قيمة بلا ورق
في نهاية يوم شاق يعود محمد عثمان إلى منزله خالي الوفاض لم يحصل على جنيه واحد. زوجته تهمس له ربنا يعين.. بكرة ربما تتحسن لكن محمد يرد بمرارة “المشكلة مش في بكره، المشكلة إننا بقينا شعب بلا نقد في دولة تمتلك مواردها”
وسط أوصال الخرطوم الممزقة بالحرب، يتساقط ضحايا جدد ليسوا من الرصاص بل من جفاف “السيولة النقدية”التي صارت أندر من الماء وأغلى من الدم.

