تقارير

السنط لا يغرق: بحث علمي جديد يكشف أن فيضانات النيل تُعيد تجديد غاباته بدلاً من تدميرها

عرض وتحرير: طلعت دفع الله عبد الماجد

مقدمة
شجرة السنط: من الصناعة إلى العلاج الطبي
الفوائد الاقتصادية والصناعية
شجرة السنط النيلية مصنع طبيعي متكامل ينتج ثروات متعددة. ثمارها المعروفة بـ “القرض” تُستخدم في صنع بدرة القرض – أحد أفضل أنواع الدباغة النباتية – حيث تنتج الشجرة الواحدة 75 إلى 80 كيلوجراماً من قرون القرض سنوياً. دراسات حديثة لمهدي هارون ومنال محمد أحمد من جامعة بحري أثبتت أن الدباغة بمستخلصات القرض آمنة بيئياً وتنتج جلداً عالي الجودة يوازي جودة الجلد المدبوغ بالكروم – وهذا ما يفسر تفضيل المدابغ البلدية لها حتى اليوم.
أما الخشب، فهو قوي ومتين ومقاوم للصدمات، يُستخدم في الإنشاءات والتثبيتات، وله قيمة حرارية عالية جداً (4950 كيلو كالوري/كجم) مما يجعله حطب وقود وفحم ممتاز يحترق ببطء مع دخان قليل. تاريخياً، اعتمدت الحضارات على خشب السنط منذ آلاف السنين – فقد استُخدم على نطاق واسع في بناء السفن النيلية خلال العصرين البطلمي والروماني لقدرته على مقاومة العطب والرطوبة في الماء، كما استُخدم في دعائم مناجم الذهب المصرية القديمة. اليوم، هذه القيمة الاقتصادية والصناعية ظلت حية – والفيضانات التي تغذي هذه الأشجار هي مفتاح استمرارها.
الفوائد الطبية والعلاجية
لكن فوائد السنط لا تنحصر في الصناعة فقط. لآلاف السنين، استخدمت أوراق وقشرة وثمار السنط في الطب التقليدي لعلاج عشرات الأمراض. الدراسات الحديثة أثبتت أن السنط يحتوي على أكثر من 150 مركب كيميائي فعال، منها الكيرسيتين والفلافونويدات والعفص وحمض الإليجيك – مواد تمتلك خصائص مضادة للبكتيريا، والفطريات، والالتهابات، والأكسدة. والأهم أنها فعالة ضد الميكروبات المقاومة للمضادات الحيوية، وضد الفيروسات بما فيها فيروس التهاب الكبد الفيروسي C. أوراق السنط استُخدمت لعلاج الإسهال والدوسنتاريا والجروح والقروح، كما أثبتت الدراسات أن مستخلصاته قادرة على تنظيم مستويات السكر والدهون في الدم وعلاج ارتفاع ضغط الدم والالتهابات المزمنة..
في السودان، تقع ما يقرب من 98% من غابات السنط بشكل متناوب على طول ضفتي النيلين الأبيض والأزرق، كمناطق محجوزة منفصلة ومحمية قانونياً. إضافة لذلك، توجد غابات سنط أخرى على الأنهر الموسمية والخيران في أنحاء السودان المختلفة – مثل خور ليمون وخور ماطرفة وأم تريبات بالجزيرة، وخور أبو حبل وخور كليكس بولاية النيل الأبيض، وغيرها من الخيران والوديان في مختلف المناطق السودانية.
الاستدامة والحماية القانونية
من بين جميع غابات السودان، كانت الغابات النيلية أول نظام يُوضع له خطط عمل منظمة على أساس الاستدامة البيئية. المستر بوث (1948-1958) وضع أول خطة مكتوبة للغابات النيلية، وأوصى بتحويل الأشجار الطبيعية إلى مزروعات منتظمة لضمان التجديد المستمر. وإدراكاً من الحكومة السودانية لأهميتها البيئية والاقتصادية، أصدرت التوجيهات الرئاسية سنة 2017 تشدد على ضرورة الحفاظ على الغابات النهرية وغابات الخيران والوديان المتأثرة بمسار ترعتي كنانة والرهد بولاية سنار. والتي تسودها أشجار السنط كغابات محجوزة ومحمية حسب شهادات تسجيلها الرسمية.
  الاكتشاف العلمي الحديث
لكن رغم هذا الإرث العريق والحماية القانونية، ظل هناك سؤال علمي حيوي لم يُجب عليه بدقة من قبل: كيف تتحمل هذه الأشجار القديمة والقوية الفيضانات الموسمية الشديدة والغمر المائي المتكرر؟ هل الفيضانات تدمرها أم تقويها؟ هل هناك حدود لهذا التحمل؟
للإجابة على هذه الأسئلة، نُشر حديثاً في 22 يناير 2026 بحث علمي متقدم بعنوان “تأثيرات الغمر وفهرس قابلية الفيضانات لأشجار السنط النيلي (Vachellia nilotica)”. قام به فريق من الباحثين المتخصصين من كلية علوم وتكنولوجيا الغابات بجامعة الجزيرة وكلية العلوم، جامعة ماروى،، الكاميرون. (د./ المغيرة مكرم إبراهيم محمد، ,د/ الحارث عبد القادر على حجر, د/ عمار خليل محمد أحمد (د./ ديفو فيكتور هارونا) الذين درسوا قدرة أشجار السنط على تحمل الفيضانات والغمر بالمياه – وهو موضوع حيوي لفهم مدى صلاحية غابة السنط للبقاء والنمو في بيئة نيلية فيضية.
   أهمية البحث
أشجار السنط النيلي (Vachellia nilotica) هي النوع الأساسي الذي تتكون منه غابات السنط النيلي في السودان، بما فيها غابة السنط الشهيرة بالخرطوم (غابة السنط او غابة جبل باوزر). لكن هذه الأشجار تعيش في بيئة معرضة للفيضانات الموسمية المتكررة. السؤال العلمي الحيوي كان: كيف تتحمل هذه الأشجار الغمر بالمياه؟ وما هي حدود هذا التحمل؟
   ما أثبته البحث
درس الباحثون كيفية استجابة بادرات وبذور أشجار السنط للغمر المائي، وطوروا فهرس قابلية الفيضانات مبني علي كثافة الغطاء الشجري وتوزيع البادرات بالغابة وتضاريس الغابة – أداة علمية تنبئ بمدى قدرة الشجرة على البقاء حية تحت مستويات مختلفة من الفيضان.
البحث أثبت أن أشجار السنط لديها آليات طبيعية قوية للتعايش مع الفيضانات المنتظمة، مما يفسر سبب عيشها طوال قرون في البيئة النيلية.
أشار البحث لأهمية المد والجذر في توزيع البذور وبالتالي كثافة البادرات أو ندرتها في الموقع المحدد و الدور الحيوي للغمر في كسر كمون البذرة والإسراع بعملية الإنبات وقدرة الأشجار علي النمو وتحمل الغمر.
دعم من أبحاث وطنية ودولية اخري
الدراسات تؤكد هذه النتائج بقوة. بحث بإشراف بروفسير عصام الدين وراق (2004-2005 بعنوان:
Warrag, E.I. & Eltigani, M.A. (2005). Breaking seed coat dormancy of Acacia nilotica seeds under simulated natural habitat conditions in Sudan. Tropical Ecology, 46(1), 127-135.
درس ثلاثة أنواع فرعية من السنط النيلي تحت ضغط الفيضانات والجفاف، وأثبت أن كل نوع يمتلك درجات مختلفة من التحمل حسب منطقة النمو الأصلية.
هذا يعني أننا يمكن أن نختار النوع الفرعي الأمثل لغابة السنط بناءً على خصائصها الفريدة. كما أظهرت دراسات دولية أن أشجار السنط قادرة على النمو والإزهار والإثمار حتى أثناء الفيضان (خلافاً للاعتقاد الشائع بأن الفيضانات توقف النمو تماماً). إضافة لذلك، الأبحاث الحديثة أثبتت أن السنط يساهم في إصلاح التربة الملحية والقلوية بفضل قدرته على تثبيت النيتروجين، مما يعني أن إعادة الزراعة ستحسن جودة التربة في غابة السنط تدريجياً.
  الآثار العملية على غابة السنط
هذا البحث ليس أكاديمياً بحتاً – فقط له تطبيقات مباشرة على إعادة بناء غابة السنط:
إعادة الزراعة بذكاء: عند إعادة تشجير الغابة، يجب وضع نقاط الزراعة بناءً على خريطة الفيضانات التاريخية واستخدام البيانات من هذا البحث لاختيار المواقع الآمنة.
خطط إدارة مستدامة: البحث يوفر معايير علمية دقيقة لتحديد متى وأين يمكن زراعة السنط لضمان بقاؤها.
حماية من الفيضانات المتطرفة: إذا تجاوزت الفيضانات الحدود التي حددها البحث، يجب اتخاذ إجراءات حماية إضافية (صيانة جذور، تحسين الصرف، نثر بذور، إلخ.
هذا البحث يؤكد أن أشجار السنط ليست ضعيفة أمام الفيضانات – بل هي متكيفة بيولوجياً للعيش في بيئة نيلية. لكنها تحتاج إلى إدارة ذكية وحماية متعمدة لتحقيق أفضل نموها.
خلايا السنط لديها أنظمة فسيولوجية معقدة وذكية تجعلها متكيفة تماماً للعيش تحت الماء. هذا ليس تطور عشوائي – بل مليارات السنين من التطور بجانب النيل أعطت السنط “مهارات بقاء خاصة” في الخلايا والجزيئات والجينات. البحث الجديد (يناير 2026) التقط هذا الواقع البيولوجي وأثبته علمياً: الفيضانات لا تقتل السنط – الفيضانات تحفز دوراتها الحيوية وتجدد غاباتها. هذا ليس مجرد تحمل – هذا تعايش تطوري مثالي.
رسالة للمسؤولين والمخططين
هذا البحث الحديث – المنشور في مجلة Journal of Arid Environments العالمية المحكمة في يناير 2026 – يقدم أدلة علمية قاطعة وموثقة. إنه يثبت أن أشجار السنط ليست ضحايا الفيضانات – بل هي محاربات قويات متكيفات بيولوجياً للعيش والازدهار فيها. الأشجار قادرة على النمو والتجدد والإثمار حتى في أقسى ظروف الفيضانات المستمرة، بشرط أن تتم الزراعة وفقاً لـ معايير علمية دقيقة ومدروسة.
للمهتمين بتفاصيل اكثر عن البحث الذي قام به أساتذة كلية علوم وتكنولوجيا الغابات بجامعة الجزيرة
(Elmugheira. M.I. Mohammed, Elharith A.A. Hagr, Ammar K.M. Ahmed, Difo V. Harouna)
) الرجوع للرابط الاتي:
https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S014019632600011X?dgcid=autho

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى