كلمات سحرعلي تكتب….
مختار بخيت «الدعيتر»... عندما يغادر «ضاحك السودان» إلى دار البقاء ويتركنا نبكي

في خبرٍ صاعق هز الأوساط الفنية والجماهيرية، غيب الموت قبل ساعات الممثل القدير مختار بخيت المعروف شعبيا بلقب «الدعيتر» إثر تعرضه لذبحة قلبية مفاجئة لم تمهله طويلا انتقل الراحل إلى رحمة مولاه في المملكة العربية السعودية، ليسدل الستار على مسيرة فنية حافلة بالعطاء ويترك خلفه فراغا لن يملأه أحد.
«الدعيتر» لم يكن مجرد ممثل كوميدي عابر بل كان ظاهرة ثقافية بكل ما تحمله الكلمة من معنى بدأ الراحل مسيرته الفنية منذ عقود وتمكن بموهبته الفطرية وأسلوبه البسيط القريب من الناس أن يرتقي سلم الشهرة ليصبح واحدا من أبرز أعمدة الدراما السودانية كان «ضاحك السودان» في سنوات العسر واليسر يرسم البسمة على وجوه السودانيين في زمن قلت فيه أسباب الفرح حيث قدم عشرات الأعمال الدرامية والمسرحية التي ناقشت قضايا المجتمع بأسلوب كوميدي هادف.
فمختار بخيت فنان لم يصنع نفسه من فراغ وما يميز مختار عن غيره من الكوميديين هو تلك «النكهة السودانية الأصيلة» التي طبعت كل أدواره لم يكن يحتاج إلى فذلكات درامية أو مؤثرات خاصة بل كان سلاحه الأوحد هو الصدق في الأداء والتلقائية العفوية التي جعلت الجمهور يتعاطف معه ويجده في كل زاوية من زوايا الحياة اليومية هذا الارتباط الوثيق بين الفنان وجمهوره جعل منه أكثر من مجرد نجم بل جعله «صديقاً» يفتقده السودانيون في بيوتهم
لقد تميز الراحل بقدرته العالية على تجسيد الشخصيات المركبة التي تلامس قضايا المجتمع وهموم الناس هذه الموهبة الاستثنائية لم تأت من فراغ بل كانت نتاج سنوات طويلة من الجد والاجتهاد والعمل الدؤوب في المسرح والتلفزيون حيث بنى لنفسه مدرسة خاصة في الأداء الكوميدي التلقائي.
فكان الرحيل المفاجئ صدمة للوسط الفني اذ تفاعل ناشطون ومتابعون مع خبر الوفاة معبرين عن حزنهم الصادق لرحيل أحد الوجوه الفنية التي كان لها حضورها المميز في الساحة السودانية كثيرون وصفوا الراحل بكلمات مؤثرة مؤكدين أن الساحة الإبداعية السودانية فقدت برحيله فناناً مطبوعاً لا يعوض.
هذه الحالة من الحزن الجماعي ليست مجرد انفعال عابربل هي دليل على عمق العلاقة التي نسجها «الدعيتر» مع جمهوره عبر السنين ففي بلد يعيش أوضاعا سياسية واقتصادية صعبة كان هذا الفنان أشبه بـ «بلسم» يخفف الآلام، ونافذة يطل منها السودانيون على عالم من الفرح والإنسانية
ففي الحرب التي اندلعت فقد أ الوسط الفني اكثر من ممثل لان قلبهم لا يالف غير السلام والمحبة وهاهو الراحل كان يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه بلده. فقد ظل صوته حاضراً في كل القضايا الوطنية، داعياً للسلام وموحّداً للصف، نابذاً خطاب الكراهية والتشرذم. لقد كان مدرسة في الوطنية الصادقة، واستخدم فنه لخدمة قضايا شعبه بعيداً عن الأضواء والشهرة.
رحيل «الدعيتر» ليس مجرد رحيل ممثل كوميدي بل هو خسارة لصوت وطني صادق لسند حاضر في كل الأوقات لرجل حكيم عظيم عرف بوضوحه في كلمته وصدقه في عطائه لا يتأخر عن واجب ولا يتردد عند الشدائد.
ولمختار ذكرى باقية وإرث خالد من أعماله الدرامية والكوميدية و ستبقى خالدة في ذاكرة السودانيين تتناقلها الأجيال كإرث ثقافي وفني لا يُقدر بثمن تلك الابتسامة التي كان يرسمها على وجوه المشاهدين ستظل حاضرة وإن غابت ملامحه عن الشاشات.
لقد علمنا «الدعيتر» أن الكوميديا ليست مجرد إضحاك بل هي فن راقٍ ونضال من نوع آخر كان يؤمن أن الضحك سلاح ذو حدين وأن رسالة الفنان الحقيقي تتجاوز التسلية إلى النقد البناء والوعي المجتمعي.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان إنا لله وإنا إليه راجعون.
البقاء لله وحده، ورحم الله فناناً أضحكنا في زمن البكاء.


