
في مثل هذه الأيام من عام 2019، كانت الخرطوم تشهد فصلاً دامياً من فصول الاحتجاج السوداني، حين فُض اعتصام القيادة العامة بالقوة تاركاً جرحاً غائراً في الذاكرة الجمعية للسودانيين.
سبع سنوات مرت وكأن الزمن يدور في حلقات مفرغة من العنف والانتقال السياسي المتعثر. سبع سنوات وهو رقم له دلالاته الرمزية في الثقافة السودانية والعربية، لكنه هنا لا يحمل بشائر الخصب والعطاء بل ينبئ عن جرح لم يلتئم، وعن ذاكرة ترفض النسيان رغم محاولات الطمس المتكررة.
ما جرى في ذلك اليوم المشؤوم لم يكن مجرد فصل في كتاب الاحتجاجات السودانية بل كان لحظة كاشفة عن طبيعة الصراع العميق بين قوى التغيير وأنماط الحكم التقليديةكان الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش تعبيراً عن حلم سوداني مختلف، حلم نسجته أيادي عزلاء، وغنته حناجر شابة، ورسمت ملامحه مواهب فنية وثقافية حوّلت الأسفلت إلى فضاء للحياة والمستقبل.
لكن العنف الذي واجه به ذلك الحلم كان عنيفاً في وحشيته، منهجياً في تنفيذه وكأن الرسالة كانت تتجاوز فض الاعتصام إلى تحطيم فكرة التغيير ذاتها وكأن القتلة أرادوا القول ليس لكم إلا نحن أو الفوضى والدم فاليوم وبعد سبع سنوات لا يزال السؤال الأخلاقي الجوهري معلقاً هل يمكن أن يكون هناك سلام دون عدالة؟ وهل يمكن للمجتمع أن يتعافى دون محاسبة؟ التجارب الإنسانية تخبرنا أن السلام القائم على إنكار الحقائق والتنصل من المسؤوليات هو سلام هش سرعان ما ينهار عند أول اختبارإن أخطر ما في الحالة السودانية ليس فقط القتل ذاته، بل ما تلاه من محاولات للتطبيع مع الدم، والتعايش مع الجلادين، وتحويل الضحايا إلى أرقام في تقارير المنظمات الحقوقية. لقد تحولت مقولة “دم الشهداء لن يذهب هدرا” إلى شعار مجوف، يرتفع في المناسبات ثم يُطوى مع الأعلام حتى الذكرى التالية.
السبع سنوات التي مضت لم تكن كافية لتحقيق العدالة لكنها كانت كافية لتكشف أن الجراح الوطنية الكبرى لا تلتئم بالتقادم بل بالتذكر والمحاسبة والمصالحة الحقيقية التي تبدأ بالاعتراف لا بالتجاهل إن النسيان القسري الذي يراد فرضه على السودانيين ليس خيانة للضحايا فقط، بل هو تمهيد لتكرار المأساة في صور أخرى.
في ذكرى فض الاعتصام لا يحتاج السودانيون إلى خطب رنانة ولا إلى دموع التماسيح ما يحتاجونه هو استعادة الحقيقة، ليس كرواية للتاريخ، بل كشرط للتعافي الوطني. يحتاجون إلى أن يكون الدم الذي سال في شوارع الخرطوم بذرةلعدالة قادمة لا سماداً لسلطوية جديدة.
سبع سنوات من الانتظار والجرح لم يندمل بعد. لكن الذاكرة حية، والحقيقة لا تموت والعدالة آتية لا محالة ولو بعد حين.


