
عندما تدخل أسواق الخرطوم اليوم، فإن ما تراه ليس مجرد أرقاماً متزايدة على الأسعار، بل قصة معاناة شعب يكافح من أجل لقمة العيش. فقفزة أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية من الخبز والدقيق إلى الزيت والسكر لم تعد مجرد مؤشر اقتصادي بل أصبحت مأساة إنسانية يومية.
لنتأمل المشهد سعر جوال الدقيق الذي كان بـ35 ألف جنيه قبل أشهر، تجاوز اليوم حاجز الـ 120 ألف جنيه. كيلو السكر تجاوز الـ 3000 جنيه، والزيت تجاوز الـ 4000 جنيه. هذه الأرقام ليست مجرد أخطاء حسابية بل انعكاس لانهيار متسارع للاقتصاد السوداني.
لكن السؤال الأهم كيف وصلنا إلى هنا؟
الحقيقة أن الأزمة مركبة ومتشابكة الحرب المستعمرة منذ أبريل 2023 دمرت البنى التحتية، وأوقفت عجلة الإنتاج، وقطعت طرق الإمداد المزارعون لم يزرعوا، المصانع توقفت، والنازحون الذين تجاوز عددهم 7 ملايين شخص يحتاجون للغذاء والمأوى الأزمة الإنسانية تغذّي الأزمة الاقتصادية، والعكس صحيح.
والأمر لا يتوقف عند الحرب السياسات النقدية المترددة وطباعة العملة دون غطاء إنتاجي، وانهيار سعر الصرف أمام العملات الأجنبية إلى مستويات غير مسبوقة (تجاوز 1500 جنيه للدولار في السوق الموازي)، كلها عوامل أسهمت في تضخم جامح يتجاوز 250% سنوياً.
المواطن البسيط الذي يتقاضى راتباً حكومياً لا يتجاوز ١٥٠ألف جنيه شهرياً يجد نفسه أمام معادلة مستحيلة كيف يؤمن احتياجات أسرته الأساسية بثمن يتضاعف كل بضعة أسابيع؟
ما يزيد الطين بلة هو غياب شبكات الأمان الاجتماعي الفاعلة الدعم الحكومي الذي كان يُقدّم للخبز والوقود اختفى تقريباً، ولم تصل بدائله المزعومة إلى مستحقيها التجار والمحتكرون يستغلون الفوضى لرفع الأسعار دون رقيب، مضيفين طبقة أخرى من الجشع فوق طبقات الأزمةأمام هذا الواقع الكارثي، لا يمكننا الاكتفاء بتوصيف المرض دون تقديم علاج. المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى:
أولاً: وقف الحرب فوراً، فهي جذر كل المصائب. ثانياً: مراجعة السياسات النقدية بشكل جذري، والانتقال من منطق طباعة العملة إلى تعزيز الإنتاج. ثالثاً: تفعيل آليات الرقابة على الأسواق ومكافحة الاحتكار.
رابعاً: إعادة هيكلة الدعم ليصل إلى مستحقيه عبر بطاقات ذكية أو تحويلات نقدية مشروطة.
لكن الإصلاحات وحدها لن تكفي دون مشاركة مجتمعية فاعلة على المنظمات الأهلية والمجتمع المدني أن تلعب دوراً رقابياً وتخفيفياً وعلى السودانيين في الخارج تحويل مدخراتهم لدعم أسرهم فالتحويلات الخارجية تشكل شريان حياة حيوياً.
في النهاية لا يمكن لأي شعب أن يتحمل إلى الأبد هذا المستوى من التدهور. أسعار السلع الاستهلاكية ليست مجرد أرقام في دفاتر الاقتصاديين، بل هي دماء الفقراء والطبقة المتوسطة التي تنزف يوماً بعد يوم وغياب الحلول الجذرية يعني أننا نرقص على حفلة انهيار كامل حيث سيكون الضحية الأكبر هو المواطن الذي طالما أثبت قدرته على الصمود لكن صبره ليس أبدياً.


