أعمدة الرأي

كلمات سحر علي تكتب…

عندما تقاس القرارات تتبعها الثقة

يحتفل العالم في العشرين من مايو من كل عام باليوم العالمي للمترولوجيا (علم القياس) ذلك العلم الذي يبدو للوهلة الأولى شأنا تقنيابحتا لكنه في الحقيقة أحد الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها الدول الحديثة واليوم وفيما تمر بلادنا بمرحلة دقيقة تتطلب إعادة بناء الوطن على أسس متينة يتجلى هذا الشعار العالمي لعام 2026 المترولوجيابناء الثقة في صنع القرار (Metrology: Building Trust in Policy Making) بأبعاده الحقيقية في السودان.
فالمترولوجيا أو علم القياس ليست مجرد أجهزة دقيقة تستخدم لمعايرة الموازين بل هي حجر الزاوية لحماية المستهلك، وضمان عدالة التجارة والنهوض بالصناعة الوطنية. فغياب نظام قياس موثوق يعني فاقدا إنتاجيا، ونزاعات تجارية وتراجعا في الصادرات، وفقدانًا للثقة. ولعل أبرز دليل على ذلك أن الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس (SSMO) منذ إنشائها كهيئة مرجعية في التسعينيات كانت ولا تزال في قلب المعركة لحماية الاقتصاد الوطني والمستهلك السوداني.
في هذا العام ومع الاحتفالات التي تقودها الهيئة تحت شعار “دقة القياس” أكدت المدير العام الأستاذة رحبة سعيد عبد الله التزام الهيئة الكامل بدعم توجيهات “حكومة الأمل” في النهوض بالبلاد وهذا ليس كلاما مرسلا بل هو جهد متواصل يتجسد في تأهيل المختبرات الوطنية لاستعادة دورها وافتتاح فرع للهيئة على معبر أشكيت بمنطقة حلفا القديمة لتسهيل التبادل التجاري مع مصر.
لقد أكدت الهيئة بوضوح أن المترولوجيا ليست رفاهية بل هي ضرورة ملحة في مرحلة إعمار السودان ما بعد الحرب، وأنها تمثل الركيزة الفنية الأساسية التي تضمن العدالة والجودة واستعادة الثقة. وفي هذا الصدد، نثمن عاليًا الإشادات التي حظيت بها جهود السودان من التجمع العربي للمترولوجيا، والتي تعكس التزامنا رغم الظروف بالمعايير الدولية.
هذا الالتزام الرسمي ليس بالأمر الهين فكما طالعتنا وكالة السودان للأنباء رئيس الوزراء كامل إدريس نفسه جدد دعمه لبرامج وأنشطة الهيئة، مشيدًا بدورها الحيوي في حماية ودعم الاقتصاد الوطني، ووزيرة شؤون مجلس الوزراء دكتورة لمياء عبد الغفار بدورها التزمت بالعمل على إزالة جميع العقبات لتمكين الهيئة من أداء واجبها في هذه المرحلة الحساسة.
إن توقيت هذه الاحتفالات في (مايو) من العام 2026 حمل معنى خاصا إذ تزامن الحديث عن المترولوجيا مع الإعلان عن فتح ملف الإعمار من بوابتها. ولكن بقدر ما نُثمن هذه الجهود على المستوى الرسمي لا بد من الاعتراف بأن تحويل هذا التوجه إلى واقع ملموس يتطلب شراكة حقيقية تمتد من الهيئة إلى الجامعات والمصانع والغرف التجارية والقطاع الخاص ومراكز التدريب.
إن واقع السودان اليوم بعد سنوات من الحرب والصراع يحتاج إلى أكثر من مجرد خطاب. القطاعات الحيوية التي يعتمد عليها المواطنون في حياتهم اليومية وقوت عيشهم والإنتاج الزراعي، الثروة الحيوانية، التعدين، الصناعات الغذائية كلها قطاعات تتعامل مع المقاييس بشكل يومي إن دقة القياسات هي التي ترسم ملامح العدالة في كل تعامل تجاري، وهي التي تحدد جودة الخدمات المقدمة للمواطن.
المسؤولية التي تقع على عاتق الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس ضخمة ولكن الأمل الذي تُحدق به الأمة نحوها ليس أقل منها. الاستثمار في هذا القطاع لا يمكن النظر إليه كتكلفة، بل كاستثمار في النزاهة الاقتصادية للبلاد. فحماية المستهلك، ودعم الصادرات الوطنية لتكون قادرة على المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية، وخلق بيئة صناعية آمنة يغرس فيها الاستثمار، كل ذلك يبدأ من هنا، من دقة القياس.
وخلاصة القول إن الاحتفال باليوم العالمي للمترولوجيا هذا العام يمثل لحظة إعادة تأكيد إنه اليوم الذي نعترف فيه بأن مستقبل السودان الاقتصادي مبني على أسس يقينية من العدالة والجودة، لا على تقديرات وتكهنات عابرة المترولوجيا هي لغة الثقة التي تخاطب بها الدولة مواطنيها وتجّارها وهي البوابة التي يعبر منها وطن إلى شواطئ التنمية والأمان.
sahar114ali@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى