مبادرة دار أندوكة للسلام والتنمية تكرّم أسر شهداءمدينة الجنينة

الخرطوم : كوشى نيوز
لم تكن الكلمات التي قيلت في قاعة التأبين مجرد عبارات رثاء عابرة، بل كانت مفاتيح لذاكرة مثقلة بالفقد. حين قالت أحدي المتحدثات «أكثر ما يؤلم أنهم لم يُدفنوا… وهناك من دُفنوا أحياءً دون أن نعلم من هم، ولم يُقم لهم عزاء، ولكن بإذن الله سوف نتلقى عزاءنا في الجنينة»، كان ذلك كفيلاً بجر شريط كامل من المآسي التي عاشتها مدينة الجنينة، لتنهمر دموع الحضور بلا مقاومة، ويستحضر الجميع صور الشهداء والأيام الدامية التي لم تغادر الذاكرة.
في فعالية تكريم شهداء مجزرة الجنينة التي نظمتها مبادرة دار أندوكا للسلام والتمية بالقاهرة، وفاء وعرفانا لزكراهم حضرت أسر ثمانية شهداء ممثلين لمئات الأسر التي حملت جراحها معها إلى المنافي. لم تتوقف الدموع، خاصة عندما روى ممثلو الأسر تفاصيل الاستهداف وكيف مُنعوا من دفن أحبائهم، لتبقى الجثامين في العراء أكثر من سبعة عشر يوماً؛ بعضهم وُوري الثرى لاحقاً، وبعضهم لا يزال مصيره مجهولاً.
ولدي مخاطبتها التكريم ترحمت رئيسة المبادرة إخلاص…… على أرواح الشهداء الذين قدموا حياتهم فداءً للوطن، وخصت بالتحية زوجات الشهداء اللواتي تحملن مسؤولية الأسر وسط ظروف النزوح واللجوء القاسية، مؤكدة أن المبادرة ستواصل دعم أسر الشهداء نفسياً واقتصادياً، خاصة النساء اللواتي أصبحن رمزاً للصمود والثبات.
وقالت إن التكريم بمثابة وفاءً لتضحيات الشهداء ودعماً لقيم السلام.
وقال الامير تاج الدين محمد بحر الدين في كلمته في إلتكريم إن من حق أبناء الجنينة أن يفخروا بشهدائهم الذين ضحوا بأرواحهم دفاعاً عن الأرض والعِرض، واصفاً رحيلهم بأنه “ميتة شرف”. وأبدى أسفه لأن القتل تم بطريقة ممنهجة، مع استهداف أشخاص بأسمائهم، خاصة المحامين الذين كانوا يتابعون ملفات أحداث كريندق، مشيراً إلى أن آلة القتل لم تستثن حتى الشيوخ وكبار السن.
وأضاف أن الشهداء متساوون في الحق والكرامة، ولا يمكن ذكر شهيد دون الآخر، مشيداً بمبادرة دار أندوكا في إحياء ذكراهم. وقال: «أخرنا عزاء شهدائنا، لكن بإذن الله سيكون عزاؤنا في الجنينة». وأكد أن هذه ليست المرة الأولى التي يُهجّر فيها أبناء الجنينة من أرضهم، مستحضراً تاريخ مقاومة المدينة منذ حقبة الغزو الفرنسي، ومعبراً عن يقين راسخ بالعودة والانتصار والقصاص، إن لم يكن في جيلهم ففي جيل الأبناء الذين سيحملون القضية.
وأشار إلى أن قيمة الجنينة الحقيقية تكمن في نسيجها الاجتماعي الفريد؛ مدينة تشكلت عبر تلاقح القبائل وتعايشها، فصارت نموذجاً لوطن مصغر يتسع للجميع.
وقال الدكتور عثمان أبكورة، ممثلاً لأسر الشهداء، إن التضحيات الكبيرة التي قدمها أبناء الجنينة دفاعاً عن أهلهم وأرضهم ستظل خالدة في صفحات التاريخ.
أما ياسر……..، فاستعاد صورة الجنينة القديمة، حيث لم يكن الناس يسألون عن القبيلة بقدر ما كانوا يعيشون كأسرة واحدة، مؤكداً أن المدينة ستعود يوماً إلى سيرتها الأولى.
وفي واحدة من أكثر الشهادات إيلاماً، تحدثت الأستاذة درية، زوجة الشهيد طارق المك، مترحمة على زوجها الذي عرفه الجميع بحسن خلقه وعدالته. وقالت إنه تعرض لضغوط وإغراءات من قيادات رفيعة في قوات الدعم السريع للتنازل عن قضيته، لكنه ظل يرفض قائلاً: «ما من حقي أن أتنازل عن دم الذين استشهدوا». وأضافت أنه كان يدرك قبل سفره إلى الجنينة بأسبوع من رمضان أنه ربما لن يعود، لذلك ظل يوصي على ابنه باستمرار.
وقالت فائزة عبد الرحمن، ممثلة أسرة الشهيد عبد الرحمن محمد أحمد، إن العهد مع الشهداء لم ينقطع، وإن هذا التكريم للأسر دليل حي على استمرار الوفاء، مؤكدة أن الألم مشترك بين الجميع.
لكن الكلمات خانت عائشة حسن تاج الدين، شقيقة الشهيد أبوبكر، فلم تستطع إكمال حديثها. اكتفت بالصمت وهي تبكي بحرقة، لتقول دموعها ما عجز عنه اللسان.
أما منى، ابنة الشيخ عبد الله يعقوب، فقد روت واحدة من أبشع صور الجريمة. قالت إن والدها قُتل غدراً وهو يتلو القرآن، فقط لأنه رفض مغادرة منزله. استشهد معه ستة آخرون، ورفض المسلحون السماح بدفنهم. وأضافت أن شقيقتها وثلاث نساء أخريات كن يخرجن مع الفجر ثلاثة أيام متتالية لحفر القبور داخل المنزل، وبعد سبعة عشر يوماً فقط استطعن دفن الجثامين.
وتحدثت وهيبة عثمان صبيرة عن الشهيد الصادق آدم محمد، الذي شغل عدة مناصب عامة كان آخرها في وزارة التخطيط العمراني ، تحدث الأمير تاج الدين عن الشهيد طارق عبد الرحمن بحر الدين قائلا إنه استشهد ومُنع الجميع من الاقتراب من جثمانه لأكثر من سبعة عشر يوماً.
هذا وشهد التكريم قيادات من المجتمع المدني والقانونييين
واختتمت الفعالية بتكريم اسر الشهداء وتقديم الدروع التزكارية لكل من اسر
الشهيد /طارق حسن الملك
الشهيد /عبدالرحمن محمد احمد
الشهيد / الامير ابو بكر حسن تاج الدين الشهيد الوالي خميس ابكر
الشهيد /الصادق محمد احمد
الشهيد عبدالله يعقوب سوميت
الشهيد طارق عبدالرحمن بحر الدين
الشهيد المهندس الصادق آدم محمد
يزكر ان مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، شهدت واحدة من أبشع المجازر التي عرفها السودان خلال الحرب التي اندلعت منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وتحولت المدينة إلى مسرح لعمليات قتل واسعة النطاق واستهداف على أساس الهوية، صاحبتها انتهاكات جسيمة شملت القتل الجماعي، الحرق، النهب، والتهجير القسري. وقد وثقت منظمات دولية وقوع جرائم واسعة ضد المدنيين، خاصة في غرب دارفور، حيث تُركت جثث كثيرة في الطرقات لأيام طويلة، وتعذر على الأسر دفن ذويها تحت تهديد السلاح.

