أعمدة الرأي

نبض المجتمع


طه هارون حامد… يكتب
التكافل الاجتماعي… روح المجتمع ونبض الأخوّة

يُعدّ التكافل الاجتماعي من أهم القيم التي تحفظ تماسك المجتمعات وتضمن استمرارها في مواجهة التحديات. وفي عُمان، كما في كثير من المجتمعات العربية، ظلّ التكافل ركيزة أساسية في بناء العلاقات بين الأفراد، حيث يتجلى في التعاون، والتراحم، والمشاركة في الأفراح والأتراح، والعمل الجماعي الذي يرسّخ روح الانتماء والولاء للمجتمع.
إنّ التكافل الاجتماعي لا يقتصر على تقديم العون المادي فحسب، بل يشمل الدعم المعنوي والنفسي، وغرس القيم النبيلة في نفوس الأجيال. فهو مدرسة أخلاقية تُعلّم الأفراد معنى المسؤولية تجاه الآخرين، وتُرسّخ مبادئ العدل والإنصاف والإحسان. ومن خلاله تتعزز الصلات بين أفراد المجتمع، فيشعر كل فرد بأنه جزء من نسيج متكامل، وأن قوته الحقيقية تكمن في وحدة الصف وتماسك البنيان.
ومن أبرز صور التكافل في المجتمع السوداني مايعرف بـ”النفير”،/ايضا الفرغ وهي عادات اجتماعية أصيلة يتكاتف فيها الناس لإنجاز عمل يخدم أحد أفراد المجتمع أو الجماعة ككل، سواء في البناء أو الزراعة أو غيرها من الأعمال التي تتطلب تعاونًا جماعيًا. هذه الممارسة لا تُنجز العمل فحسب، بل تبني جسور المحبة والثقة بين الناس، وتُعيد إحياء روح العمل المشترك بعيدًا عن الفردية والانعزال.
كذلك تلعب المصالحات الاجتماعية دورًا محوريًا في حفظ السلم الأهلي، إذ يسعى وجهاء المجتمع وأعيانه إلى إصلاح ذات البين وحلّ النزاعات بروح التسامح والتفاهم. إن ثقافة الصلح والعفو تُعدّ من أسمى صور التكافل، لأنها تُقدّم مصلحة الجماعة على النزعات الشخصية، وتُطفئ نار الفتن قبل أن تستعر. وهنا يظهر البعد الأخلاقي للتكافل، حيث تتلاقى القيم الدينية مع الأعراف الاجتماعية في خدمة الاستقرار والوئام.
ولا يمكن الحديث عن التكافل دون الإشارة إلى دوره في نبذ خطاب الكراهية. فالمجتمع المتكافل بطبيعته يرفض التمييز والتعصب، ويؤمن بأن التنوع مصدر قوة لا ضعف. إن خطاب الكراهية، سواء كان قائمًا على العِرق أو المذهب أو الرأي، يُهدد وحدة المجتمع ويُضعف أواصره. أما التكافل، فيُعزّز ثقافة الحوار والاحترام المتبادل، ويُرسّخ مبدأ أن الاختلاف لا يعني الخلاف، وأن التعددية يمكن أن تكون مساحة للتكامل لا للتصادم.
إن الحفاظ على الأخاء والمحبة بين الناس مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، مرورًا بالمؤسسات التعليمية، وصولًا إلى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. فحين يُربّى الطفل على قيم الرحمة والتسامح، ويشهد في بيئته نماذج حية للتعاون والتكافل، ينشأ وهو يحمل وعيًا اجتماعيًا يُحصّنه من الانجرار وراء دعوات الكراهية أو الإقصاء.
كما أن إحياء السنن الكونية والاجتماعية، مثل التعاون والتراحم والتعاضد، يُسهم في تحقيق التوازن داخل المجتمع. فالإنسان بطبعه كائن اجتماعي يحتاج إلى الآخرين، ولا يمكنه أن يعيش بمعزل عنهم. وكلما ازداد وعي الأفراد بهذه الحقيقة، ازداد حرصهم على حماية الروابط التي تجمعهم، والعمل على تقويتها بدلًا من إضعافها.
ومن المهم كذلك أن تتكامل الجهود الرسمية والشعبية لتعزيز ثقافة التكافل. فالمبادرات المجتمعية، والعمل التطوعي، وصناديق الدعم الخيري والجمعيات التعاونية ، كلها أدوات فعّالة لترجمة القيم إلى أفعال ملموسة. كما أن التشريعات التي تضمن العدالة والمساواة تسهم في خلق بيئة داعمة للتكافل، وتحمي المجتمع من مظاهر الظلم أو التهميش التي قد تُغذّي مشاعر الاحتقان.
إن المجتمع الذي يعتنق التكافل نهجًا ثابتًا يكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو صحية. ففي أوقات الشدة، يظهر معدن الناس، ويتجلى المعنى الحقيقي للأخوّة. وحين تتكاتف الأيدي وتتحد القلوب، تتحول التحديات إلى فرص لتعميق الروابط وتعزيز الثقة المتبادلة بين الناس
اخيرا ، يظلّ التكافل الاجتماعي دعامة أساسية لبناء مجتمع قوي متماسك يسوده السلام والمحبة. وهو ليس مجرد قيمة أخلاقية عابرة، بل منظومة متكاملة من المبادئ والسلوكيات التي تحفظ كرامة الإنسان وتصون وحدة المجتمع. إن نبذ خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة الحوار ومشاركة الاراء ، والحفاظ على الأخاء بين الناس، كلها مسؤوليات مشتركة تتطلب وعيًا دائمًا وإرادة صادقة. وبهذا النهج، يبقى المجتمع قويًا بأفراده، متماسكًا بروابطه، ومضيئًا بقيمه النبيلة المعروفه ونسعي لغرسها في الاجيال القادمة الا ان تصبح ثقافة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى