وجه الحقيقة إبراهيم شقلاوي يكتب…..

البرهان بين الخطاب والصمت…
في الأيام الماضية، واصل الرئيس عبد الفتاح البرهان لقاءاته المباشرة مع المواطنين، حيث شملت الجمعة مسيد الشيخ حمد النيل بأم درمان، ثم شارع الوادي وشارع السيسي بمحلية كرري، فيما اختُتمت أمس السبت في ميدان الحرية بالديوم الشرقية، في مشهد عكس تفاعلاً شعبياً مميزاً.
لكن هذا الحضور، رغم دلالاته المهمة في هذه المرحلة ، يأتي في سياق سياسي وإعلامي يتراجع فيه الخطاب الرسمي للدولة، أمام سيل من التسريبات والأخبار غير المؤكدة حول اجتماعات ووساطات إقليمية ودولية مرتبطة بملف الحرب والسلام ووقف إطلاق النار، بما يضع الرأي العام أمام فراغ معرفي تتحول فيه الإشاعة إلى رواية قابلة للتصديق.
غير أن هذا الحضور، رغم أهميته، يظل جزءًا من معادلة لا تكتمل ما لم يُسند بخطابٍ دوري يعيد تعريف وظيفة الدولة في هذه المرحلة، باعتبارها المصدر الموثوق للمعلومة، والمرجع الذي ينظم وعي المجتمع بما يجري حوله.
ومن هنا، يتحول خطاب الدولة إلى آلية فعالة لضبط الرأي العام ومنع تشظيه ، إذ أن غيابه لا يترك فراغًا سياسيًا واعلاميا فحسب، بل يفتح المجال لتعدد مصادر التفسير خارج المرجعية الرسمية، حيث تتقدم الإشاعة باعتبارها تفسيرًا بديلًا يملأ المساحة التي تتركها الدولة .
وفي هذا السياق، تستدعي الذاكرة السياسية السودانية نماذج سابقة كان فيها الخطاب المباشر جزءًا من إدارة الحكم ، كما في تجربة الرئيس الأسبق جعفر محمد نميري، حين كان التواصل الدوري مع الجمهور أداة لتثبيت الرواية الرسمية ومواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية.
خلال فترة حكمه الممتدة من 1969 إلى 1985، اعتمد الرئيس جعفر نميري نمطًا من الخطاب المباشر عبر الإذاعة والتلفزيون، في ما عُرف “بلقاء المكاشفة” ، والذي مثل سلسلة من الخطابات الدورية الموجّهة إلى الجمهور، بعد تطورها حملت مسمي “بين الراعي والرعية”. لم تكن هذه الخطابات مجرد رسائل إعلامية، بل كانت أداة لتوجيه الرأي العام، ووسيلة لعرض سياسات الدولة وتفسير أزماتها الاقتصادية والسياسية و الأمنية بصورة مباشرة، في سياق حاول فيه النظام ضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع عبر التواصل المنتظم، لا عبر الوسائط التقليدية وحدها..
في فترات الأزمات، اتسم هذا الخطاب بقدر من الصراحة التي لفتت انتباه النخب والجمهور، حيث تناول نميري أداء مؤسسات الدولة وانتقد مظاهر الخلل الإداري والهدر، مع دعوات واضحة للانضباط وتفعيل القانون.
في المشهد السوداني اليوم ، لا يحتاج المرء إلى جهد كبير لرصد طبيعة هذا الفراغ. فوسائط الإعلام المفتوحة تضج بتقارير عن لقاءات سرية، وتسويات سياسية قيد التشكل، وهندسات تُدار خلف الكواليس، تتراوح بين وساطات إقليمية يُشار إليها من حين لآخر، وحديث عن ترتيبات سياسية متحركة في أكثر من عاصمة. وتبرز في هذا السياق إشارات متداولة حول وساطة محتملة لعُمان بين السودان والإمارات، إلى جانب ما يُثار بشأن أدوار دولية في مسارات مرتبطة بوقف إطلاق النار عبر قنوات دولية، من بينها ما يُنسب إلى ترتيبات مؤتمر برلين. صحيح أن كثيرًا من هذه الروايات يبقى في دائرة التسريبات أو الإشاعات ، لكن تأثيرها في تشكيل الرأي العام لا يعتمد على دقتها بقدر ما يعتمد على غياب الخطاب الرسمي.
هنا تتجلى الإشكالية الجوهرية: حين تغيب المعلومة الحكومية المنتظمة، لا ينتظر الجمهور الفراغ، بل يعيد إنتاجه عبر الشائعة. وحين لا يُقدَّم خطاب دوري يشرح ما يجري، تتحول الإشاعة إلى نظام تفسير بديل للواقع، وتتراجع الثقة في الرواية الرسمية لصالح تعدد روايات متضاربة، كل منها يدّعي امتلاك جزء من الحقيقة. في مثل هذا السياق، لا يعود الصمت خيارًا محايدًا، بل يصبح عنصرًا فاعلًا في تشكيل الرأي العام.
في هذا الإطار، لا يتعلق الأمر باستعادة نموذج تاريخي بقدر ما يرتبط بإعادة تعريف وظيفة الخطاب السياسي في زمن الحرب. فالمجتمع الذي يواجه تدفقًا كثيفًا من الأخبار لا يكفيه حضور القيادة في الساحات، بل يحتاج إلى خطاب دوري واضح يشرح القرارات ويضع التحولات في سياقها، بما يمنح المواطن قدرة على الفهم قبل المطالبة بالصبر أو التفاعل.
إن الثقة بحسب #وجه_الحقيقة لا تُبنى على الظهور وحده، بل على انتظام الخطاب الدوري ووضوح التفسير واستقرار اللغة السياسية. وهنا تصبح قيمة الخطاب كونه وسيلة لإدارة الوعي العام في لحظة يتراجع فيها اليقين، فحين يغيب الخطاب تتقدم الإشاعة، وحين يغيب الوضوح تتآكل الثقة، وتتحول الأسئلة غير المجابة إلى بيئة خصبة لتعدد الحقائق بدل تعدد الآراء، في سياق لا يحتمل فيه الواقع ترك الحقيقة رهينة التسريبات.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 3 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#البرهان
#البرهان_بين_الخطاب_والصمت
#السودان
#الحرب_في_السودان
#الخطاب_السياسي
#الرأي_العام
#الإشاعة_وصناعة_الوعي
#الدولة_والمعلومة_الموثوقة
#السودان_بين_الحقيقة_والتسريبات
#إبراهيم_شقلاوي

