أعمدة الرأي

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي يكتب

حكومة القضاة

في سنوات الدراسة الجامعية حين كانت السياسة تُقرأ بشغف الفلسفة، كنا مجموعة من الأصدقاء نطلق على أنفسنا “رواد اللوقيون”، إعجابًا بمدرسة أرسطو رائدة الفلسفة الواقعية، التي جعلت من التفكير الحر والعقل النقدي مدخلًا لفهم السياسة والدولة والمجتمع. يومها بدأ لنا أن أكثر النظم اقترابًا من العدالة هو ذاك الذي يقوده رجال القضاء، لأن مهنتهم تقوم على الانضباط والحياد والنزاهة واحترام القانون.

وبينما أستعيد اليوم تلك الذكريات النضرة، تعود إليّ الفكرة القديمة : ماذا لو أُديرت الدولة بعقلية القضاء لا بعقلية الغلبة السياسية؟ ماذا لو أصبح معيار الحكم هو العدالة والنزاهة والمساءلة، لا النفوذ والترضيات؟

عرفت التجربة الإنسانية ما يسمي اصطلاحًا بـ“حكومة القضاة”، وهو مفهوم سياسي وقانوني ظهر في فرنسا مطلع القرن العشرين لوصف تمدد السلطة القضائية إلى مجال التأثير المباشر في صناعة القرار وقيادة الحكم.

وتجسد ذلك لاحقًا بصورة أكثر وضوحًا في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تحولت المحكمة العليا إلى قوة قادرة على تعطيل قرارات الرئاسة والكونغرس وإعادة توجيه الحياة السياسية. لكن جوهر الفكرة لم يكن يومًا دعوة لحكم القضاة بقدر ما كان بحثًا عن دولة تحكمها قيم العدالة وانضباط المؤسسات، وتخضع فيها السلطة للرقابة الصارمة.

ومن هذه الزاوية، تبدو أزماتنا السودانية اليوم أقرب إلى أزمة غياب “العقل القضائي” داخل الحكومة، أي غياب الدولة التي تضبط أداءها بمعايير العدالة والشفافية وهيبة القانون. فالمشهد العام بعد الحرب لا يكشف فقط عن ضعف الخدمات أو غياب المتابعة ، بل عن تراجع فكرة الدولة نفسها بوصفها صانع للمبادرات حارسة للمعاش و لمؤسسة الحماية الاجتماعية.

وحين تضطر إدارة مستشفى الولادة بأم درمان “الدايات” إلى الإعلان عن اتجاهها لتقديم خدمات الطوارئ مجانًا بسبب تزايد وفيات الأمهات والأطفال وعجز المواطنين عن تحمل تكاليف العلاج، فإن الأمر يتجاوز حدود المبادرة الإنسانية ليصبح إشارة قاسية إلى اختلال فلسفة الحكم.

فقد نقلت الزميلة داليا الياس في صحيفة “الكرامة” إفادات مدير المستشفى حول اتجاه الإدارة للبحث عن “شراكات ذكية” لتوفير خدمات الولادة والطوارئ مجانًا، بعد أن أصبحت كثير من الأسر عاجزة عن الوصول إلى العلاج بسبب الفقر. ومثل هذا الخبر المحزن يمثل شهادة على تراجع الدور الطبيعي للدولة في حماية الحق في الحياة والرعاية الصحية.

ولذلك لم يكن مفاجئًا أن يكشف استطلاع الرأي الذي أعلنه الأسبوع الماضي مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام عن حالة غضب واسعة تجاه تصاعد الرسوم والجبايات الحكومية، بعدما

أقر غالبية المستطلعين بأن الأعباء المالية تجاوزت قدرة المواطنين، وأثقلت كاهلهم في توفير العلاج والتعليم والخدمات الأساسية. وهنا تتجلى المفارقة، فالدولة التي تعجز عن بناء اقتصاد منتج ، تلجأ إلى زيادة الرسوم والجبايات، فيدفع المواطن والمجتمع ثمن هذا العجز من معيشته اليومية.

الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت تمس جوهر العدالة الاجتماعية التي تعهد بها رئيس الوزراء د. كامل إدريس ضمن برنامج “حكومة الأمل” عند تكليفه . فحين يصبح العلاج عبئًا يهدد حياة المرضى، والتعليم حلمًا يثقل كاهل الأسر، وتنعكس رسوم النقل والجبايات على أسعار الغذاء والسلع الأساسية، فإن المواطن لا يشعر بوجود دولة تخفف معاناته ، بل بسلطة تنقل أزماتها إلى جيبه ومعاشه اليومي . وهكذا يتحول الناس من شركاء في بناء الوطن إلى متحملين لكلفة عجز الحكومة المتجدد .

من يراقب المشهد السوداني يلاحظ أن التراجع لم يعد في الاقتصاد والخدمات فقط، بل امتد إلى ضعف الرقابة على المرافق الأساسية. فحادثة تعطل العبارة “الجودي” الأسبوع الماضي في رحلتها من جدة إلى سواكن، والتي كادت أن تعرض حياة نحو 700 مسافر للخطر، تكشف خللاً واضحًا في إجراءات السلامة. وحتى اللحظة لم نسمع اخبار حول فتح تحقيق أو مساءلة للجهات المختصة، وهو ما يعزز الشعور بأن مثل هذه الوقائع كثيرًا ما تُطوى دون محاسبة تُذكر، في ظل تراكم الأزمات والمحن.

وفي السياق ذاته، أثار ظهور رئيس الوزراء د. كامل إدريس ووزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر محمولين على الأكتاف خلال لقاءات الجالية السودانية في لندن ومانشستر جدلاً واسعًا حول صورة الدولة وهيبتها في ظرف حرب وانهيار المعيشة والخدمات. حيث عكس التفاعل الإعلامي، حساسية الشارع تجاه رمزية السلطة وهيبة الحكومة ، في حين تُقرأ مثل هذه المشاهد في السياق السوداني المثقل بالأزمات باعتبارها منفصلة عن واقع الناس ومعاناتهم اليومية أكثر من كونها تعبيرًا عن الحفاوة والتقدير.

في القراءة السياسية، بحسب #وجه_الحقيقة فإن هذه الوقائع المتفرقة، من أزمة العلاج والجبايات، إلى غياب الرقابة على النقل والخدمات، وصولًا إلى الضعف في الأداء ، تعبر عن أزمة حقيقية تتصل بغياب الدولة عن حياة الناس. فالدول لا تنهار بالحرب وحدها، بل أيضًا حين يختل التوازن بين السلطة والرقابة، وبين القرار والمسؤولية، وتضعف صلة الحكام بمعاناة المواطنين. لذلك، فإن السودان يحتاج إلى استعادة فلسفة الحكم، دولة تُدار بعقل الواجبات و العدالة ، وتستحضر قيم القضاء كمعيار للانضباط والإنصاف، لذلك تظل “حكومة القضاة” اشواق لدولة يحكمها القانون، وتُصان فيها كرامة المواطن وتعلي فيها قيمة المسؤولية.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 24 مايو 2026 م Shglawi55@gmail.com
#حكومة_القضاة
#السودان
#العدالة_الاجتماعية
#هيبة_الدولة
#حكومة_الأمل
#كامل_إدريس
#الجبايات
#الأزمة_السودانية
#أزمة_الصحة_في_السودان
#وفيات_الأمهات_والأطفال
#إبراهيم_شقلاوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى