أعمدة الرأي

اقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

حين يضجّ العالم…لماذا تفرغ الأرواح؟
الإنسان المعاصر بين الوفرة المادية والجوع الروحي.

منذ فجر التاريخ ظلّ الإنسان يبحث عن الطمأنينة كما يبحث العطشان عن الماء، تعاقبت الحضارات وتبدّلت أنماط الحياة، لكن حاجة الروح إلى السكينة بقيت ثابتة لا تتغير، وقد أدركت الرسالات السماوية منذ البداية أن الإنسان ليس جسداً يعمل ويستهلك فقط بل روح تحتاج إلى الإيمان والمعنى والاتصال بالله، وحين جاء الإسلام لم يخاطب ظاهر الإنسان وحده، بل خاطب قلبه وعقله وروحه معاً، فربط الاستقرار النفسي بالإيمان، وربط طمأنينة القلب بذكر الله، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
لكن إنسان هذا العصر يعيش مفارقة غريبة؛ فكلما ازدادت وسائل الراحة المادية، ازداد القلق الداخلي، وكلما تطورت التكنولوجيا، تضاعفت الضغوط النفسية والروحية بصورة غير مسبوقة، لقد أصبح الإنسان محاصراً بسيل لا ينتهي من الأخبار، والمقارنات الاجتماعية، ومتطلبات الحياة الاقتصادية، حتى تحوّل العالم إلى ماكينة ضخمة لا تسمح للروح بالتقاط أنفاسها.
فالاقتصاد الحديث رغم ما حققه من وفرة وإنتاج، خلق أيضًا نمطاً استهلاكياً شرهاً يجعل الإنسان يركض باستمرار خلف احتياجات لا تنتهي، ولقد صار النجاح يُقاس بحجم الدخل، وعدد الممتلكات، والمظاهر الخارجية، بينما تراجع الحديث عن راحة القلب وسلام الروح،
ولهذا نشهد اليوم ارتفاعاً مخيفاً في معدلات القلق والإكتئاب والانهيار النفسي، حتى في المجتمعات الأكثر رفاهية. لأن المشكلة لم تعد في نقص الوسائل بل في غياب المعنى،
ولقد تحوّل كثير من الناس إلى أسرى للإيقاع السريع للحياة؛ يعملون بلا توقف، ويستهلكون بلا توقف، ويفكرون بلا توقف، حتى أصبحت عقولهم مرهقة وقلوبهم منهكة، والأسوأ من ذلك أن الضوضاء الحديثة لم تعد خارج الإنسان فقط بل انتقلت إلى داخله،
كضجيج الأفكار، وضغط المقارنات، والخوف من المستقبل، والقلق من الفشل، والركض الدائم خلف الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية…
كل ذلك صنع إنساناً يبدو ناجحاً من الخارج، لكنه متعب من الداخل بصورة لا يراها أحد.
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية التي يتجنب العالم الحديث الاعتراف بها: أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بالإنجازات وحدها، فهناك فراغ عميق لا يملؤه المال، ولا الشهرة، ولا وسائل الترفيه، بل يملؤه القرب من الله سبحانه وتعالى.
ولهذا يشعر كثير من الناس براحة عجيبة بعد سجدة طويلة، أو دعاء صادق في جوف الليل، أو لحظة خلوة هادئة بعيداً عن صخب العالم، لأن الروح حين تعود إلى خالقها تستعيد توازنها المفقود.
إن العودة إلى الله ليست انعزالاً عن الحياة، وليست هروباً من الواقع كما يروّج البعض بل هي مصدر القوة الحقيقية لمواجهة الواقع فالإنسان الذي يرتبط بالله يصبح أكثر قدرة على الصبر، وأكثر اتزاناً أمام الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.
أما المجتمعات التي تستبدل الإيمان بالاستهلاك، والقيم بالمظاهر، والسكينة بالضجيج، فإنها قد تمتلك المال والتكنولوجيا… لكنها تخسر الإنسان نفسه،
ولعل أخطر ما يهدد عالم اليوم ليس الفقر المادي وحده، بل الفقر الروحي الذي يتسلل بصمت إلى القلوب حتى يحوّل الإنسان إلى كائن متعب، خائف، فاقد للمعنى، مهما بدا ناجحاً في الظاهر.
ولهذا فإن أعظم مراجعة يحتاجها الإنسان المعاصر ليست مراجعة حساباته البنكية فقط، بل مراجعة علاقته بالله، لأن الأرواح حين تبتعد طويلاً عن خالقها تبدأ بالانهيار ببطء دون أن تشعر.
فاحذروا عالماً يملأ الأيدي بالأشياء…ويترك القلوب فارغة.

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى