أعمدة الرأي

إقتصاد النا س :د.عبدالله عجلون يكتب الأستاذ الجامعي ! بين راتب مهمل وضنك المعيشة … والإضراب يطرق الأبواب

 

عزيزي القارئ الكريم، هل تخيلت يوما أن الأستاذ الجامعي زبدة خريجي الدفعات وأكثرهم تميزا اكاديميا، قد يترك القاعات الدراسية و المعامل البحثية فارغة لأنه لم يعد قادراً على العيش؟!
تبقي الإجابة نعم في ظل تصاعد أسعار السلع الأساسية، وتتفاقم أعباء الحياة المعيشية هنا يبقى راتب الأستاذ مجرد رقم على الورق لا يعكس جهده ولا مكانته المجتمعية، وإذا لم تتحرك الدولة سريعا فإن الإضراب المعلن من قبل لجنة(لاجسو) لم يعد تهديدا افتراضيا بل إحتمال واقعي يلوح في الأفق بسبب التجاهل المقصود لقضية إجازة الهيكل الراتبي المقترح.
وكم هو مؤلم أن سنوات الدراسة الطويلة والمرهقة من لدن البكاريوس وحتي درجة الأستاذ والتخصص العميق والتفوق الأكاديمي َكل هذه الأشياء تتحول إلى إحباط مالي ونفسي اي والله!
الأستاذ الجامعي يعيش يوميا بين راتب ضعيف وضنك المعيشة في ظل افرازات الحرب ما بين نازح و لاجئ و صابر، وكأن جهده في البحث العلمي و اعباءه التدريسية وخدمة مجتمعه لا تساوي شيئًا عند متخدي القرار، هذا الواقع المرير ليس مجرد إحباط شخصي، بل أزمة تهدد العملية التعليمية، جودة البحث العلمي، ومستقبل أجيال كاملة من الطلاب الجامعيين، بينما الدولة لا تبدو مستعدة للاستجابة السريعة.
اخي القارئ الكريم،
الأستاذ الجامعي في السودان يمثل نخبة الخريجين ولكنه يتقاضى أقل من زملائه وخريجيه في الوظائف العامة الحديثة، وأقل بكثير من رواتب القطاع الخاص لخريجي الدفعات الجديدة، سنوات البحث والتعليم الطويلة لا تتوازى مع القدرة الشرائية مما يضطر بعض الأساتذة للعمل الجزئي أو تقديم الاستشارات لتغطية حاجاتهم ولقد رأيتم بام عينكم عبر الميديا ما جري له الآن من مأسي النزوح، وهو ما شتت تركيزه عن التدريس والبحث العلمي و خدمة المجتمع، مما يؤثر على جودة التعليم.
ان ندرة الأساتذة تزيد من خطورة الوضع مع تزايد الطلب الخارجي لهم علي الصعيدين العربي الأفريقي، علما بأن الجامعات تعتمد على كفاءات محدودة بسبب النقص الحاد بسبب الوفاة او التقاعد المبكر للمعاش الإجباري او المرض، وأي تأخير في تحسين الرواتب يزيد من احتمالية الإضراب و الذي قد يشل العملية التعليمية ويترك آلاف الطلاب بلا مرشدين علميين و طلاب الدراسات العليا بدون مشرفين.
ان الهيكل الراتبي الحالي لا يعكس قيمة الخبرة ولا يواكب التضخم المتسارع في السوق، بل يحوّل الأستاذ إلى مجرد رقم بينما جهده وإبداعه يظل بلا تقدير حقيقي من قبل الدولة.
ان إعادة تصميم وإجازة الهيكل الراتبي يجب أن تراعي فيه ندرة التخصصات و قيمة الخبرة والفجوة بين الكفاءة العلمية ومتطلبات السوق الداخلي والخارجي لضمان أن تبقى الجامعات بيئة منتجة ومحفزة وليست ساحة إحباط و انسحاب وهروب.
الإضراب هنا ليس خيارا ترفيهيا بل وسيلة دفاع شرعية عن الكرامة المالية والمهنية ضد سياسة الإهمال والتجاهل والتي قد تؤدي إلى أزمة تعليمية وطنية.
رغم كل الضغوط والإحباطات يظل الأستاذ الجامعي قلب الجامعات النابض وملهم الأجيال القادمة، حاملا حلم المعرفة و وكل المستقبل، وإصلاح الرواتب ليس مجرد معادلة مالية بل وعد بالإعتراف بالجهد وتحويل ضنك الحياة إلى جسر يربط بين الكفاءة المهنية والطموح المالي، و بين الأستاذ كل طالب يسعى لبناء مستقبل أفضل.
ان عملية الإضراب ليس النهاية بل إنذار بضرورة تقدير هؤلاء الذين يشكلون العمود الفقري للمعرفة في البلاد ليظل التعليم العالي ملاذا للأفكار والابتكار والابداع وريادة الأعمال رافعة إقتصادية، لا ضحية الإهمال والتجاهل الغير مبرر.
فتكم بعااافية… نواصل@
الخميس:التاسع من شهر رمضان 1447هجرية الموافق:26/فبراير/2026 م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى