إقتصاد الناس. بقلم:د.عبدالله عجلون على صفيح النفط

والإضطراب … كيف تهدد الحرب الإيرانية–الإسرائيلية ما تبقى من الإقتصاد السوداني؟*
في عالمٍ تحكمه سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة لا توجد حرب “بعيدة” فكل رصاصة أو صاروخ في الشرق الأوسط قد ترتدّ شظاياهما على موائد السودانيين عبر أسعار الوقود، والقمح والدواء، وسعر الصرف، ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يحتمل الإقتصاد السوداني صدمة إقليمية جديدة وهو لم يتعافَ بعد من جراحه الداخلية جراء الحرب الدائرة الآن؟
*اولاً:* إن قنوات التأثير تتمثل في أسعار النفط، من خلال المواجهات العسكرية الواسعة التي قد تهدد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، مما يؤدي الي إرتفاع أسعار الخام عالمياً، علما بأن السودان يعتمد على إستيراد جزء كبير من إحتياجاته النفطية من خلال حركة السفن الناقلة للخام والتي تمر عبر الملاحة البحرية المهددة جراء الحرب الآن، وهنا سيدفع الفاتورة مضاعفة: زيادة مباشرة في تكلفة الوقود، وإرتفاع غير مباشر في تكلفة النقل والإنتاج، والنتيجة الطبيعية هي موجة تضخمية جديدة،َ تضغط على أسعار الغذاء والدواء والخدمات، وتُضعف القدرة الشرائية للمواطن الذي يعاني أصلاً من تآكل دخله الضعيف.
*ثانياً:* هناك إضطراب سلاسل الإمداد والتجارة العالمية، فالتوترات العسكرية ترفع تكاليف التأمين البحري والشحن، وقد تُبطئ حركة السفن في الممرات الحيوية. بالنسبة للسودان الذي يستورد القمح والدواء ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي، فإن أي زيادة في كلفة الشحن ستنعكس فوراً على الأسعار المحلية، ومع محدودية الصادرات وضعف التنويع الإقتصادي، سيزداد الضغط على ميزان المدفوعات، وقد يتسع الفارق بين السعر الرسمي والموازي للعملة.
*ثالثاً:* تحويلات المغتربين والإستثمارات.
جزء معتبر من السودانيين يعملون في دول الخليج، فأي إضطراب إقتصادي في تلك الدول حتى و لو كان مؤقتاً قد يؤثر على فرص العمل أو حجم التحويلات البنكية، كما أن المستثمرين بطبيعتهم يهربون من مناطق عدم اليقين، والسودان في وضعه الحالي ليس وجهة قادرة على جذب رأس المال في ظل توتر إقليمي متصاعد.
*رابعاً:* الأثر السياسي والمالي غير المباشر. تصاعد النزاع قد يعيد ترتيب أولويات القوى الدولية، فتتجه الموارد والاهتمام إلى بؤر الصراع المباشر، بينما تتراجع ملفات أخرى. في هذه الحالة، قد يواجه السودان صعوبات إضافية في حشد الدعم الخارجي أو تحريك ملفات الإعفاء من الديون وإعادة الإعمار. كما أن أي انحياز سياسي إقليمي قد يضع البلاد أمام ضغوط دبلوماسية لها انعكاسات اقتصادية.
لكن التحذير الأهم لا يتعلق فقط بالحرب ذاتها، بل بهشاشة الداخل. الاقتصاد الذي يفتقر إلى احتياطيات نقد أجنبي كافية، ويعتمد على الاستيراد في السلع الأساسية، يكون أكثر عرضة لانتقال الصدمات. غياب سياسات مالية منضبطة، وضعف الإنتاج المحلي، وتراجع الثقة في النظام المصرفي، كلها عوامل تجعل أثر أي أزمة خارجية مضاعفاً.
*ختاماً:*
إن تداعيات الحرب الإيرانية-الإسرائيلية إن استمرت أو اتسعت قد تتحول إلى إختبار قاسٍ لقدرة السودان على إدارة المخاطر الخارجية، فالمطلوب ليس إنتظار الصدمة، بل التحرك الاستباقي، من خلال تعزيز الإنتاج المحلي، ترشيد الإستيراد، بناء إحتياطيات استراتيجية من السلع الأساسية، وتحسين إدارة النقد الأجنبي، في النهاية قد لا يملك السودان قرار وقف حرب تدور خارج حدوده، لكنه يملك نظرياً قرار تحصين إقتصاده من ارتداداتها، فهل نستعد قبل أن ترتفع الأسعار مرة أخرى، أم نكتفي بتسجيل الخسائر بعد وقوعها؟
فتكم بعااافية…نواصل@
4/3/2026



