أعمدة الرأي

:د.عبدالله عجلون يكتب ما بعد الحرب … هل تغيب الرؤية الإستراتيجية أم الإرادة

 

عندما تضع الحروب أوزارها تبدأ معركةٌ أكثر تعقيدا، فمعركة البناء، وإدارة مرحلة ما بعد الحرب ليست مجرد إعادة إعمار طرقٍ وجسور ومطارات، بل هي إعادة صياغة إقتصادٍ منهك، ومؤسساتٍ متآكلة، وثقةٍ شعبية تضررت بفعل الصراع.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نحن نمتلك رؤية إستراتيجية واضحة لإدارة هذه المرحلة،َ أم أننا نتحرك بردود أفعال آنية بلا بوصلة جامعة؟؟
التجارب الدولية تؤكد أن النجاح في مرحلة ما بعد النزاعات يرتبط بوجود خطة إقتصادية متكاملة، كما حدث في تجارب مثل دولة رواندا (Rwanda) بعد الحرب الأهلية التي أدت الي الإبادة الجماعية، حيث تحولت من إقتصاد هش إلى نموذج إصلاحي يعتمد على التخطيط والإنضباط المؤسسي. الفرق لم يكن في حجم الموارد، بل في وضوح الرؤية وتماسك التنفيذ.
في السياق السوداني، تبدو التحديات أكبر من مجرد إعادة تشغيل عجلة الإنتاج، نحن أمام إقتصاد يعاني من تآكل القاعدة الإنتاجية، تراجع الصادرات، إنهيار البنية التحتية، وأتساع الإقتصاد غير الرسمي. كما أن الإختلالات النقدية والمالية المتراكمة قبل الحرب تضاعفت بعدها، مما يجعل أي معالجة ترقيعية غير كافية.
الرؤية الإستراتيجية لمرحلة ما بعد الحرب يجب أن تقوم على ثلاثة أعمدة: الاستقرار الكلي، إعادة هيكلة الإقتصاد، وبناء الثقة المؤسسية.
*أولاً:* الإستقرار الكلي يتطلب ضبط المالية العامة، توسيع الوعاء الضريبي دون إثقال المنتجين، وإصلاح النظام المصرفي لإستعادة الثقة. إذ لا يمكن جذب إستثمارات أو إستعادة نشاط القطاع الخاص في بيئة يغيب فيها إستقرار سعر الصرف أو تتعدد فيها الرسوم والجبايات.
*ثانيًا:* إعادة هيكلة الإقتصاد تعني الانتقال من إقتصاد ريعي هش إلى إقتصاد إنتاجي متنوع.
التركيز على الزراعة والصناعات التحويلية والتعدين المنظم يمكن أن يشكل قاعدة إنطلاق، لكن ذلك يتطلب سياسات صناعية واضحة، وتمويلاً موجّهاً، وبنية تحتية لوجستية فعالة.
*ثالثًا* : بناء الثقة المؤسسية هو التحدي الأصعب فالمستثمر المحلي قبل الأجنبي يبحث عن وضوح الإجراءات و القوانين وإستقرارها، وعن قضاء عادل، وعن مؤسسات لا تتغير بتغير الأشخاص. بدون إصلاح إداري ومكافحة جادة للفساد، ستظل أي خطة إقتصادية حبراً على ورق.
وان المشكلة لا تكمن في غياب الدراسات أو الأوراق النظرية؛ بل في فجوة التنفيذ وضعف التنسيق بين المؤسسات. فمرحلة ما بعد الحرب تحتاج إلى مجلس إقتصادي أعلى بسلطات واضحة، يجمع بين الرؤية الفنية والإرادة السياسية، ويعمل وفق مؤشرات أداء محددة وجداول زمنية معلنة.
كما أن إشراك القطاع الخاص والمجتمعات المحلية في صياغة الأولويات يعزز الإحساس بالملكية المشتركة لعملية التعافي, فالإعمار ليس مشروع حكومة فقط بل مشروع بناء وطن كامل من خلال تبني التوصيات العملية الآتية:
1/ إعداد خطة إقتصادية وطنية لخمس سنوات بأهداف كمية واضحة ومؤشرات قياس أداء.
2/ تحقيق إستقرار نقدي ومالي عاجل عبر إصلاح السياسات الضريبية والنقدية.
3/ إعادة توجيه الإنفاق العام نحو الإنتاج والبنية التحتية بدل الصرف الإستهلاكي.
4/ إنشاء آلية مركزية لتنسيق جهود إعادة الإعمار وتفادي تضارب القرارات.
5/ تعزيز الشفافية ونشر البيانات الإقتصادية بانتظام لاستعادة الثقة.
6/ تحفيز القطاع الخاص عبر حوافز اَإستثمارية مستقرة وقوانين واضحة.
إن مرحلة ما بعد الحرب ليست اختباراً للقدرة على الإنفاق بل إختبار للقدرة على التخطيط، فإما أن تتحول التحديات إلى فرصة لإعادة البناء والإعمار ، أو تضيع اللحظة التاريخية في زحام القرارات المؤقتة.

فتكم بعااافية…نواصل@
7/مارس/2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى