أعمدة الرأي

هنادي وزَمزَم.. دمٌاء يكتبُ بها على جدار الصمت العالمي: هل من مُجيب؟

د. محمد حمزة الشريف

د. محمد حمزة الشريف… يكتب
هنادي وزَمزَم.. دمٌاء يكتبُ بها على جدار الصمت العالمي: هل من مُجيب؟”

في ظهيرةٍ لم تُشرق فيها الشمس على معسكر زمزم للنازحين، بل أشرقت فيها بنادق “الجنجويد” المُلوثة بدماء الأبرياء، انهمرت الرصاصات كعاصفةٍ نارية على أكواخٍ من القماش، إختبأ خلفها أطفالٌ جُوعى، ونساءٌ مرهقات، وشيوخٌ عاجزون. بينهم وقفت الدكتورة هنادي النور، تلك السمراء النحيلة التي حوّلت قلم الطب إلى سلاحٍ للقِتال، ومِشرطَ الجراحة إلى صرخةِ مقاومةٍ ضد بربريةٍ تدعمها دراهم إماراتية ملوثة بالعار.
لم تكن هنادي مجرد طبيبة، بل كانت “ميرم الفاشر” كما لقبوها، “أي الأم الحنون” التي احتضنت جراح آلاف النازحين تحت سماء دارفور المتشظية.
لكن قلبها الرقيق لم يتحمل أن يرى طفلاً يُسحل، أو امرأة تُغتَصب، أو شيخاً يُحرق حياً أمام صمت العالم. فحملت سكين مطبخ، ثم بندقية جندي سقط، وصاحت في وجه القتلة: “كفى!”. لكن صوتها انقطع برصاصةٍ غادرة، بينما كان “عبد الرحيم دقلو”، قائد المليشيا، يلوح بسوطه من نافذة عربته المدرعة، وكأنه يجلد ضمير الإنسانية جمعاء.
هنا، في زمزم، حيث تُرتكب أبشع جرائم القرن الواحد والعشرين، تُختزل مأساة شعبٍ بكامله. أطفالٌ تُقطع أجسادهم كتماثيل طينية، ونساءٌ يُختطفن ليُبَعنَ في أسواق النخاسة، وشيوخٌ يُحرقون وهم أحياء. كل هذا تحت سمع وبصر العالم، و بدعم و رعاية كاملة من “دولة الإمارات”، التي حوّلت المليشيات إلى آلة إبادةٍ مُمنهجة، تُنفذ مخططاً استعمارياً بدماء السودانيين.
إنها ليست حرباً، بل عملية تطهير عرقي تُموّلها أبوظبي، وتُبررها صفقات السلاح الدولية، وتُغسل دماؤها باستثماراتٍ تُشترى بها ذممُ السياسيين.
أيها العالم، كيف تنامون وفي أذانكم صراخ أمهات دارفور؟ كيف تُغلقون أعينكم عن صور الرضع الذين تُثقب أجسادهم بالرصاص؟ أليس “منظمات حقوق الإنسان” إلا حبراً على ورقٍ حين يُقتل طبيبٌ لأنه تجرأ على إنقاذ حياة؟
لقد حولت الإمارات “الجنجويد” إلى وحوشٍ حديثة، تُغذيها الأموال، وتُدربها الخبرات الأمنية، ويحميها الفيتو الدبلوماسي. فكل درهم إماراتي يُنفق على هذه المليشيات هو طلقةٌ في قلب طفل سوداني، وهو وصمة عارٍ في جبين كل من يصمت.
الدكتورة هنادي لم تمت، بل صارت رمزاً للبطولة التي تُحرق ظلام العالم بضوئها. دمها المسكيّ يُذكّرنا بأن الإبادة في دارفور ليست “أزمة إفريقية”، بل جريمةٌ تديرها دولةٌ عربية بدم بارد. فهل يعقل أن تُدان إسرائيل على غزة، بينما تُكافئ الإمارات بصفقات السلاح على دارفور؟ أين مجلس الأمن؟ أين محكمة الجنايات الدولية؟ أم أن دم السودانيين أرخص من أن يُحاسب عليهِ “حلفاء الغرب”؟
يا شرفاء العالم، إن الصمت خيانة. فما حدث في زمزم هو اختبارٌ لضميركم الإنساني. لن تُغسل عار هذه المجازر إلا بخطواتٍ فعلية: وقف توريد السلاح للإمارات، تجميد استثماراتها الدموية، ومحاكمة قادتها كمجرمي حرب.
فالدكتورة هنادي، التي ضحّت بحياتها لتروي بدمها قصة الظلم، تستحق أكثر من تعازي السياسيين. إنها تستحق ثورة غضبٍ عالمية تُنهي إفلات الإمارات من العقاب.
اليوم، ترفع دارفور راية هنادي عالياً: “إما عدالة تُحاسب القتلة، أو تاريخٌ سيلعن الصامتين”. فلتكن هذه الكلمات ناقوساً يُهز ضمائركم، ولتكن ذكراها دليلاً على أن دم الشهداء لن يجف قبل أن يروي شجرة الحرية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى