أعمدة الرأي

سحر علي تكتب أغاني وأغاني. عندما يخون البريق الجوهر!

كنت كغيري من الملايين  أترقب بشوق عودة برنامج “أغاني وأغاني” هذا العام برنامج ارتبط بذاكرة السودانيين في رمضان بصوته الدافئ، وبأغانيه التي كانت تلامس الروح قبل الأذن عدنا ننتظر، وإذا بنا نفاجأ بعودة مدوية من القاهرة، ومن مدينة الإنتاج الإعلامي، بكل بريقها وأضوائها لكن سرعان ما تلاشى هذا البريق وتحولت النشوة إلى حسرة بمجرد أن صمتت الموسيقى وبدأت الأصوات تعلو
أنا لا أتحدث هنا عن انتقاد جودة التسجيل التقني فالتقنية الحديثة كانت في أبهى صورها أنا أتحدث عن جائحة فنية أصابت البرنامج في مقتل فغياب المراجعة الصوتية، وغياب “المايسترو” الذي كان يدير هذه الأوركسترا المتقنة لسنوات رغم أن استاذي الناقد والصحفي الأستاذ مصعب الصاوي نار علي علم في الثقافة لكن اسمحوا لي أن أقولها بكل وضوح مشكلة “أغاني وأغاني” هذا العام ليست في المطربين فهم أبناء هذه الأرض، وفي حناجرهم ذهب المشكلة فيمن جلس خلف مكتب الإدارة فظن أن النجاح مجرد كاميرات وديكورات المشكلة في غياب المستشار الفني المحايد الذي كان يقول للفنان”هذه الأغنية لك وهذه ليست لك” اختفى ذلك “المايسترو” الذي كان يصوغ الأداء، ويصقل الموهبة، ويحول المطرب العادي إلى نجمة لامعة في سماء الأغنية السودانية
ما نراه اليوم هو فوضى فنية بامتياز! الكل يغني ما يشاء، والكل يجتهد على هواه غابت “الحكاية” التي كان يصنعها الراحل العظيم السر قدور، له الرحمه  ليحل محلها “كاريوكي” منمق، لكنه يفتقر للروح كيف يمكن لمطرب أن يبدع في أغنية لا تتناسب مع مساحته الصوتية؟ كيف يمكن أن نطلب من عنب أن يثمر تفاحاً، ثم نلومه لأنه لم ينتج ما نشتهي؟
المؤلم أن هذا يحدث تحت قبة الإبهار البصري تصوير في القاهرة، وأنفاق ميزانيات ضخمة،واستقدام أحدث الكاميرات، وأقامة ديكورات تحاكي هوليوود، ثم تناسوا أن جوهر “أغاني وأغاني” كان دائماً… الغناء تناسوا أن الجمهور السوداني يملك أذناً موسيقية لا تنخدع بالبهرجة، أذناً تربت على أنغام محمد وردي، وعثمان حسين، والكابلي. هذا الجمهور يستحق أن تُصقل له الأصوات، لا أن تُعرض عليه كما هي دون معالجة.
المجاملة هي سيدة الموقف الآن، والاجتهاد الشخصي يحكم قرارات يفترض أن تكون فنية بحتة أصبح البرنامج ساحة لتجارب غير مدروسة، وضاعت هويته التي كانت تجمع بين الأصالة والتجديد، بين الطرب الجميل والتقديم الشيق.
نعم، عاد “أغاني وأغاني”لكنه عاد جسداً بلا روح. عاد صورةً بلا صوت عاد بريقاً خادعاً يخفي وراءه فراغاً فنياً مدوياً .لكن  ما زال الوقت متاحاً، وما زالت الكلمة قادرة على التغيير لكن إن استمر الحال على ما هو عليه، فلن نكون أمام برنامج ننتظره، بل أمام ذكرى نسترجعها بحسرة ونتساءل: أين ذهبت أيام زمان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى