شيء للوطن

م.صلاح غريبة … يكتب
Ghariba2013@gmail.com
شكر الله خلف الله.. أيقونة “الحيشان الثلاثة” وحارس الذاكرة السودانية
في وقتٍ تتقاذف فيه أمواج الحرب العاتية شواطئ الوجدان السوداني، وتختلط فيه الرؤى الإعلامية والدرامية، يبرز اسم المخرج القدير شكر الله خلف الله كمنارة صمود وتفرد إبداعي. ليس مجرد مخرج يضبط الكادر أو يوجه الممثلين، بل هو “ترزي” بارع لصناعة الوعي، وموثق أمين ذاكرة أمة ترفض الانكسار.
ما يلفت في شخصية شكر الله خلف الله، الملقب بـ “مخرج الروائع”، هو ذلك الجمع النادر بين النجومية الطاغية والتواضع الرفيع. حين يتحدث عن مسيرته التي بدأت منذ نعومة أظفاره في الإذاعة والتلفزيون والصحافة، يعيد الفضل دائماً إلى “التوفيق الإلهي”، معتبراً نفسه لا يزال “تلميذاً في محراب الفن”. هذا الإحساس هو الذي جعل منه شخصية قريبة من الشارع السوداني، وجعل لإبداعه “رائحة الأرض” وقرب الواقع المعاش.
ينتمي شكر الله إلى جيل تشكل وجدانه داخل “الحيشان الثلاثة”: المسرح، الإذاعة، والتلفزيون. بالنسبة له، هذه ليست مجرد مبانٍ أو أماكن عمل، بل هي “صوامع” لحماية الهوية السودانية. تجلى هذا العشق في قلقه الوجودي على مكتبات الإذاعة والتلفزيون من أن يطالها خراب الحرب، لأن ضياع الأرشيف يعني ببساطة ضياع جزء أصيل من “DNA” الشعب السوداني.
ولعل التاريخ سيذكر له طويلاً سهرة “لقاء الذهب” عام 2012، التي نجح فيها –بعد جهد جهيد– في جمع الهرمين محمد وردي ومحمد الأمين في كادر واحد، ليقدم للشعب السوداني وثيقة فنية لن تتكرر، تماماً كما أعاد تقديم الراحل السر قدور في لحظات تاريخية وثقت عبقرية المبدع السوداني.
لم يكتفِ شكر الله بالوقوف خلف الكاميرا في الأوقات الهادئة، بل آثر البقاء في أم درمان إبان الحرب، انطلاقاً من رغبة الصادق في “أن يرى بنفسه لا أن يُحكى له”. يرى أن المعركة الحالية تاريخية وأكبر من مجرد صراع عسكري؛ إنها اختبار للإعلام والثقافة. وبصراحة المبدع، انتقد قصور الإعلام في أن يظل “ناقلاً للحدث” فقط، داعياً إلى مراجعة شاملة وإشراك المجتمع في صناعة المحتوى الثقافي الواعي.
تضحياته الشخصية من أجل فنه ووطنه بلغت حد بيع ممتلكاته لإنتاج أعمال درامية وطنية مثل مسلسل “مهمة 56″، الذي غاص في تفاصيل الهوية السودانية، مما يؤكد أن الفن عنده “رسالة وجود” لا “مصدر رزق”.
خلف هذه الصرامة الفنية، نجد شكر الله الإنسان الذي يشتاق لـ “الرقاق باللبن” في غربته بالنمسا، والذي يقدس الخلوة والتلاوة في رمضان، والذي يجد نفسه “ضعيفاً” في المطبخ وقوياً في “ميدان الإخراج”. إنه السوداني القح الذي يحمل تفاصيل حياتنا البسيطة في قلبه أينما حل، من المدينة المنورة إلى بورتسودان التي تنقل فيها مؤخراً مهموماً بدعم زملائه المبدعين المتضررين من الحرب.
اليوم، ونحن ننتظر حواره المرتقب عبر أثير إذاعة صوت العرب (عند الثالثة والنصف بتوقيت القاهرة)، لا ننتظر مجرد مخرج يتحدث عن “زوايا التصوير”، بل ننتظر صوتاً وطنياً يمثل ضمير الفن وحارس الذاكرة.
شكر الله خلف الله سيظل “تفردًا إبداعيًا” في زمن الشتات، وقصة وفاء لم تنتهِ فصولها بعد لتراب هذا الوطن ومؤسساته القومية التي نادى دوماً بضرورة إبعادها عن التجاذبات السياسية لتبقى ملكاً للشعب.. كل الشعب.
مصر


