أعمدة الرأي

البعد_الآخر


مصعب بريــر… يكتب
كابوس “الكرتة” ينجلي عن سوبا.. وأسئلة شائكة على طاولة المعالجة ..!

في مقال سابق، سألنا بوضوح: هل تنجح حملة إزالة مخلفات التعدين بسوبا بمعزل عن صحة البيئة وهيئة النظافة؟ الإجابة جاءت سريعة ومطمئنة من المجلس الأعلى للبيئة وإدارة صحة البيئة بولاية الخرطوم، ولكن ننتظر إجابة هيئة النظافة. إذن ما يجري على الأرض ليس عملاً معزولاً للشركة السودانية للموارد المعدنية، بل هو جهد جماعي تقوده لجنة النفايات الخطرة، لإزاحة كابوس بيئي ثقيل خلفته مليشيا الدعم السريع، حين حولت مدارس سوبا، ومنها مدرسة “الصاحبين”، إلى بؤر سامة لمعالجة “الكرتة”، مما شرد مئات التلاميذ وأثقل كاهل الأسر.
العملية بدأت فعلياً وتجاوزت مرحلة التخطيط؛ حيث قامت اللجنة بكشط التربة الملوثة ونقل أكثر من 144 طناً عبر جرارات ضخمة بطول 32 متراً. وبحسب ما نُشر إعلامياً، تم تسليم هذه الشحنات لشركة “أبو رقبة للتعدين” للقيام بالمعالجات اللاحقة التي يُفترض أنها صحيحة ومعتمدة.
ورغم تقديرنا لهذا الجهد الكبير، تفرض علينا أمانة الكلمة طرح أسئلة مشروعة بكل شفافية: كيف تم اختيار هذه الشركة تحديداً للقيام بالمهمة؟ وهل وُضع بروتوكول واضح يضمن المعالجة الصحية لهذه الكميات الخطرة؟ والأهم من ذلك، كيف ستقوم شركة أبو رقبة بالمعالجة الآمنة صحيآ و بيئياً؟ وكيف تعالج في الأصل مخلفات التعدين التابعة لها، وأين يتم ذلك؟
للإجابة على هذه المخاوف، نحتاج للنظر إلى النماذج العالمية. في دول مثل أستراليا وكندا، لا تُترك معالجة مخلفات التعدين للنوايا الحسنة، بل تُلزم الشركات بدفع “تأمين بيئي” مالي ضخم قبل بدء العمل لضمان التزامها. وتُطبق بروتوكولات صارمة تلزم الشركات بمعالجة السموم داخل أحواض خرسانية مبطنة ومغلقة تماماً، وتخضع لرقابة دورية من جهات تفتيش مستقلة ومجتمعية لضمان عدم تسرب قطرة سيانيد واحدة إلى التربة أو المياه الجوفية. نحن في أمسّ الحاجة لتوطين هذه المعايير الملزمة لضمان عدم تكرار المأساة.
بعد اخير:
خلاصة القول، ما حدث في سوبا خطوة ممتازة لإنقاذ أبنائنا واستعادة المدارس، وانتصار حقيقي لإرادة الحياة. لكن هذا الانتصار لا يكتمل إلا بشفافية تامة في مراحل المعالجة النهائية. إن تكامل جهود الدولة مع وعي المجتمع يحول محنتنا البيئية والأمنية إلى فرصة حقيقية لفرض قوانين صارمة لا تقبل المساومة، حمايةً لأهم مورد نملكه على الإطلاق؛ إنسان السودان.
وأخيرًا، لقد أثبتت ملحمة سوبا أن العمل المخلص لا يحتاج إلى تلميع، بل إلى نتائج ملموسة ترفع الضرر عن الناس. التحية لكل يد ساهمت في هذه الحملة، ولتكن هذه التجربة دافعاً لفرض رقابة شفافة على كل حبة تراب ملوثة تُنقل في بلادنا، فصحة بيئتنا وسلامة أطفالنا خط أحمر.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.

ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الأربعاء | 1 أبريل 2026م
musapbrear@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى