إقتصاد الناس د.عبدالله عجلون يكتب ….

إقتصاد الولايات..هل تنهي اللامركزية أزمة الخرطوم؟
منذ أن أصبحت الخرطوم عاصمةً للسودان الحديث في عهد الحكم التركي المصري عام 1821م، بدأت ملامح التمركز الإداري والإقتصادي تتشكل تدريجياً حولها، ومع تعاقب الحكومات الوطنية بعد الاستقلال في عام 1956م، تعزز هذا النمط بصورة أكبر، حيث تركزت مؤسسات الدولة الكبرى، والمصارف، والشركات، والجامعات، والمشروعات الخدمية في العاصمة، بينما ظلت ولايات السودان المختلفة، رغم ثرائها الزراعي والمعدني والحيواني، تعاني من ضعف الخدمات وقلة الإستثمارات وفرص العمل، هذه المركزية المفرطة جعلت الخرطوم قلب الإقتصاد السوداني، لكنها في الوقت نفسه خلقت اختلالاً تنموياً عميقاً انفجر بوضوح خلال حرب 15 أبريل 2023م.
الحرب كشفت هشاشة النموذج الإقتصادي القائم على العاصمة الواحدة. فعندما تعطلت الأنشطة التجارية والمصرفية والخدمية في الخرطوم(كرش الفيل)، تأثرت البلاد بأكملها، وتوقفت سلاسل الإمداد، وتعطلت المصانع، وأغلقت آلاف الشركات أبوابها، ما أكد خطورة ربط إقتصاد دولة بحجم السودان بمدينة واحدة.
في المقابل أظهرت بعض عواصم الولايات قدرة نسبية على الصمود. بورتسودان أصبحت مركزاً إدارياً وتجارياً مؤقتاً، بينما استمرت الأنشطة الزراعية في ولايات مثل ولاية الجزيرة و القضارف و النيل الأزرق وكسلا، كما ظل التعدين في ولاية نهر النيل وولاية البحر الأحمر مصدراً مهماً للإيرادات.
هذا الواقع أعاد طرح سؤال قديم متجدد: لماذا لا يتحول السودان إلى إقتصاد قائم على الولايات بدلاً من مركزية الخرطوم؟.
ان اللامركزية الإقتصادية لا تعني فقط نقل بعض المؤسسات الحكومية إلى الولايات، بل تتطلب منح الحكومات المحلية سلطات أوسع في إدارة الموارد، وتحصيل الإيرادات، وجذب الإستثمارات، وتطوير البنية التحتية وفق ميزاتها النسبية، فالقضارف يمكن أن تصبح عاصمة للحبوب، وشمال كردفان مركزاً للصمغ العربي والزيوت، وولاية البحر الأحمر بوابة للتجارة والخدمات اللوجستية.
لكن هذا التحول يواجه تحديات كبيرة أبرزها ضعف البنية التحتية في الولايات، وتداخل الصلاحيات بين المركز والولايات، إضافة إلى مخاوف من أن تتحول اللامركزية إلى صراعات جديدة حول الموارد إذا غابت العدالة والشفافية.
إن أزمة الخرطوم ليست مجرد أزمة مدينة دمرتها الحرب بل أزمة نموذج إقتصادي ظل لعقود يختزل السودان في العاصمة.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل تتجه الدولة إلى بناء إقتصاد متعدد المراكز يعيد الحياة للولايات، أم تعود البلاد مرة أخرى إلى مركزية أثبتت الحرب هشاشتها ؟
فتكم بعااافية…نواصل@


