البعد_الآخر

مصعب بريــر… يكتب
الخرطوم وموسكو.. 70 عاماً من الصمود وشراكة تعانق فجر المستقبل ..!
سبعون عاماً مرت على أول مصافحة دبلوماسية بين الخرطوم وموسكو، مسيرة طويلة لم تكن يوماً مجرد أرقام تُسجل في الأرشيف الرسمي، بل قصة صمود وشراكة استراتيجية أثبتت قدرتها الفائقة على تجاوز أعقد التقلبات السياسية والرياح الدولية العاتية. في قلب العاصمة الروسية، تجسدت هذه الروح في مائدة مستديرة نظمتها سفارة السودان بالتعاون مع معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية. هذا الحدث، الذي جمع نخبة من المسؤولين والدبلوماسيين والأكاديميين الروس، لم يكن مجرد احتفال بروتوكولي عابر، بل كان بمثابة إعلان صريح بأن العلاقات السودانية الروسية تقف اليوم على أرض صلبة، وتتطلع بثقة تامة نحو آفاق مستقبلية رحبة تخدم مصالح الشعبين.
وسط أجواء نابضة بالحيوية والتفاعل الإيجابي، التقت العقول لرسم صورة بانورامية لتاريخ ومستقبل هذا التعاون العريق. وقد كان لمعرض “السودان: الأمس واليوم” المصاحب للفعالية، والذي افتتحه السفير السوداني بموسكو ومدير الأكاديمية الروسية، وقعٌ خاص وخاطف في نفوس الحاضرين. اللوحات والصور الفوتوغرافية هناك لم توثق فقط للموروث الثقافي السوداني المتنوع وعاداته الأصيلة، بل شكلت ذاكرة بصرية تحكي فصولاً من التلاحم الإنساني. وفي خضم هذه الأجواء، لم يغب عن طاولة النقاش همّ الوطن؛ إذ استعرض الحاضرون بشفافية أثر الحرب الدائرة في السودان على المشهد الثقافي، وما طال المقتنيات الأثرية من تدمير ممنهج، ليؤكد الجميع أن حماية ذاكرة الأمة وتراثها هي جزء لا يتجزأ من معركة البقاء والدفاع عن الهوية.
وإذا ما قلبنا صفحات هذه الشراكة الممتدة لسبعة عقود، سنجدها زاخرة بالمنجزات التي لامست عصب القطاعات الحيوية في السودان. فمن قطاع التعدين الذي يمثل حجر الزاوية في التعاون الاستراتيجي بين البلدين، مروراً بالشراكات في مجالات العتاد العسكري، وصولاً إلى التعليم وتوفير المنح الدراسية؛ بنى البلدان جداراً متيناً من الثقة المتبادلة. وهو ما أكده بوضوح السفير الروسي لدى الخرطوم، أندريه تشرنوبل، عبر مشاركته التقنية في الفعالية، مشيراً إلى إسهامات بلاده المستمرة في المشاريع الاقتصادية. لقد نجحت الخرطوم وموسكو، باقتدار وذكاء، في عزل علاقاتهما الثنائية عن تقلبات الأمزجة السياسية العالمية، لتظل الشراكة بينهما عنواناً للاحترام المتبادل.
ولعل المحك الحقيقي لصدق التحالفات يظهر جلياً وقت الأزمات والمحن. فمنذ اندلاع شرارة الحرب في منتصف أبريل من العام 2023، اختارت موسكو الوقوف بثبات إلى جانب الدولة السودانية، معلنة دعمها الصريح لشرعية الحكومة ورفضها القاطع لأي مساعٍ تستهدف تفتيت وحدة السودان. لم تكتفِ روسيا بالتصريحات الدبلوماسية، بل استخدمت ثقلها الدولي، بما في ذلك حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن، لتعطيل القرارات التي لا تخدم مصالح السودان وسيادته. هذا الموقف المبدئي وجد إشادة عميقة ومستحقة من السفير السوداني، محمد الغزالي سراج، الذي عبر عن امتنانه لهذا الدعم الصلب. ولم يقف الأمر عند أسوار السياسة والمواقف الرسمية، بل تجلى في أبهى صوره الإنسانية من خلال إصرار البعثات الأثرية الروسية على البقاء في السودان ومواصلة عملها الدؤوب لحماية الإرث الحضاري، في رسالة نبيلة تتجاوز المصالح لتعانق عمق التاريخ البشري.
بعد اخير :
خلاصة القول، اليوم، ونحن نتأمل مسيرة هذه العلاقة الاستثنائية، ندرك تماماً أن السودان، ورغم الجراح التي أثخنته مؤخراً، يظل بلداً عصياً على الانكسار، تقف من خلفه حضارة ضاربة في جذور الأرض وأصدقاء حقيقيون لا يميلون حيث مالت الرياح. إن الاحتفاء بسبعين عاماً من الدبلوماسية الناجحة مع دولة كبرى بحجم روسيا ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو نافذة تفاؤل مشرعة نحو غدٍ واعد.
وأخيرًا، هي رسالة طمأنينة لكل مواطن سوداني بأن بلادنا تمتلك من الرصيد والتحالفات الاستراتيجية ما يجعلها قادرة على النهوض بقوة من تحت الركام، لتبني سودان الغد.. سودان الإعمار والسلام والسيادة، ماضيةً بخطى واثقة نحو مستقبل مشرق تتشابك فيه أيدي أبنائه المخلصين مع أصدقائه الأوفياء لصناعة فجر جديد يليق بعظمة هذا الشعب.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
السبت | 25 أبريل 2026م
musapbrear@gmail.com



