سعد محمد عبدالله يكتب

قراءة حول المتغيرات السياسية في السودان والقرن الإفريقي
نقرأ على الصفحات الإعلامية في السودان والقرن الإفريقي جملةً من التحولات السياسية التي تعكس حجم التداخل بين الأزمات الداخلية والتوازنات الإقليمية والدولية، وهو ما يجعل من متابعة هذه التطورات ضرورة لفهم مساراتها وطبيعة المرحلة المقبلة في المنطقة، وفي هذا الإطار، جاءت زيارة القائد مالك عقار إلى جيبوتي للمشاركة في مراسم تنصيب الرئيس إسماعيل عمر جيله بعد فوزه في الإنتخابات الأخيرة، باعتبارها خطوة تحمل أبعادًا سياسية ودبلوماسية تتجاوز حدود البروتوكول الرسمي، وتأتي في ظل كثير من الإشكالات السياسية والأمنية والإقتصادية التي تحاصر دول المنطقة؛ فقد أصبحت جيبوتي تمثل مركزًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية على خارطة القرن الإفريقي بموقعها الإستراتيجي المُطل على البحر الأحمر وباب المندب، إضافة إلى إمتلاكها بنيةً تحتية بحرية وتجارية متقدمة جعلتها محطةً أساسية للتجارة الدولية وحركة الملاحة العالمية؛ كما أن التنافس الإقليمي والدولي على توسيع مساحات النفوذ في البحر الأحمر منح جيبوتي مكانةً متقدمة في معادلات الأمن الإقليمي، الأمر الذي يُفسر الحضور المكثف لوسائل الإعلام المختلفة والفاعلين الإقليميين والدوليين في مراسم التنصيب؛ وبالنسبة للسودان، فإن هذه المشاركة تترجم رغبةً واضحة في إستعادة حضوره الإقليمي بعد فترة من الإضطراب السياسي الذي تسببت فيه الحرب الداخلية التي تشنها مليشيا الدعم السريع الإرهابية، والمدعومة من قوى إقليمية ودولية، كما تكشف عن إدراك متزايد لدى القيادة السودانية بأهمية الإنفتاح على دول الجوار الإقليمي، باعتبار أن معالجة الأزمة السودانية لن تتم بمعزل عن التفاهمات الإقليمية؛ فالتطورات الجارية في شريط القرن الإفريقي باتت مترابطة بصورة كبيرة، سواء من حيث الأمن أو الإقتصاد أو قضايا الهجرة والنزاعات المسلحة وتجاذبات العالم الخارجي، وبالتالي فإن أي تحرك سياسي سوداني تجاه الإقليم يجب أن يُقرأ ضمن رؤية أوسع تستهدف إعادة نسج شبكة العلاقات السياسية والدبلوماسية على أسس المصالح المشتركة والتعاون الإقليمي.
مع هذه الزيارة المهمة، برزت مؤشرات دقيقة تعكس بداية تحولات في طريقة تعاطي الأطراف الإقليمية مع الأزمة السودانية، حيث بدأ صوت السياسة والدبلوماسية يعلو على المشهد، خاصة بعد اللقاء الذي جمع السكرتير التنفيذي للهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» ورقني قبيهو بنائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار، لمناقشة القضايا المرتبطة بعودة السودان إلى المنظمة، وجهود إنهاء النزاعات وتعزيز فرص السلام والإستقرار؛ كما إكتسب الإجتماع المغلق الذي جمع الرئيس الجيبوتي إسماعيل جيله، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، والقائد مالك عقار أهميةً خاصة، باعتباره يرسم ملامح حراك سياسي جديد يسعى إلى إعادة تنشيط قنوات الحوار بين الحكومات بعيدًا عن حالة الجمود والمزايدات التي سيطرت على المشهد منذ إندلاع الحرب في السودان، ويبدو أن الأطراف الإقليمية بدأت تدرك أن إستمرار النزاع في السودان ستكون له تداعيات وخيمة على أمن وإستقرار الإقليم بأكمله، خاصة في ظل تزايد حجم التحديات الأمنية والإقتصادية التي تواجه دول القرن الإفريقي، ومن هنا أصبح الحوار السياسي والدبلوماسي يمثل الخيار الأكثر واقعية لمعالجة الأزمة، بعد أن أثبتت التجارب أن مشاريع الهيمنة والإستقطاب، مهما بلغت درجات التشبث بها وتمويلها، لا يمكن أن تقود إلى إستقرار حقيقي أو تحقق مكاسب مستدامة للمستقبل؛ كما توحي التحركات الأخيرة بوجود رغبة إقليمية في إعادة السودان إلى محيطه الطبيعي باعتباره دولةً محورية في المنطقة، وليس مجرد ساحة للصراعات، وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه يفتح الباب مشرعًا أمام إمكانية بناء مقاربة جديدة تقوم على التنسيق الإقليمي المشترك لمعالجة جذور الأزمة السودانية دون المساس بوحدته وسيادته وكرامة شعبه، ويشمل ذلك البحث عن وسائل لوقف الحرب، وإطلاق العملية السياسية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق الحد الممكن من التوافق الوطني الذي يسمح باستعادة الإستقرار.
تحمل العلاقات السودانية الجيبوتية أبعادًا تاريخية وسياسية مهمة، إذ ظلت جيبوتي تلعب أدوارًا متوازنة في العديد من الملفات الإقليمية المتعلقة بالسودان، إنطلاقًا من موقعها الدبلوماسي المقبول لدى مختلف الأطراف، وقد إرتبط البلدان بعلاقات تعاون وثيقة في إطار قضايا البحر الأحمر ومنظمة «إيقاد» والتنسيق السياسي في ملفات الأمن الإقليمي، كما لعبت جيبوتي أدوارًا مهمة جدًا في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السودانيين خلال مراحل مختلفة من تاريخ النزاعات السودانية، وهنا يُنظر إلى هذه العلاقات الوطيدة بوصفها نموذجًا للتعاون الإقليمي القائم على المصالح المشتركة والإحترام المتبادل، خاصة أن هذين البلدين يواجهان تحديات جمة ومتقاربة تتعلق بقضايا الأمن الإقليمي والإستقرار الإقتصادي وتأثيرات النزاعات العابرة للحدود، وفي ظل التحولات الراهنة في القرن الإفريقي، فإن فرص تطوير هذه العلاقة تبدو أكبر من أي وقت مضى، خصوصًا مع تزايد الحاجة إلى تشكيل شراكات إقتصادية وتجارية جديدة تسهم في تنشيط حركة التجارة والإستثمار وربط الموانئ والأسواق الإقليمية؛ كما يمتلك السودان إمكانيات إقتصادية وبشرية كبيرة يمكن أن تسهم في تعزيز التكامل الإقليمي في مختلف المجالات إذا ما توفرت الإرادة السياسية الحرة والإستقرار الداخلي، ومن جانب آخر، تمتلك جيبوتي خبرةً متقدمة جدًا في إدارة الموانئ والخدمات اللوجستية، وهذه الميزة تفتح المجال أمام تعاون إقتصادي واسع يمكن أن يحقق مكاسب هائلة للطرفين، ولا يقتصر الأمر على الجوانب الإقتصادية فقط، بل يمتد أيضًا إلى التبادل الثقافي والإجتماعي وتعزيز العلاقات الشعبية بين شعوب المنطقة، باعتبار أن الإستقرار الحقيقي لا يمكن تحقيقه عبر الإتفاقات السياسية وحدها، وإنما يحتاج كذلك إلى بناء جسور من الثقة والتعاون بين المجتمعات.
إن قراءة التطورات السياسية الجارية في السودان والقرن الإفريقي تقود إلى نتيجة أساسية مفادها أن المنطقة تقف أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة صياغة العلاقات الإقليمية وفق معايير أكثر واقعية ومرونة، بعيدًا عن سياسات الإستقطاب والصراعات التقليدية التي تُستخدم فيها أدوات الهيمنة لإضعاف دول الإقليم لعقود طويلة؛ فالحرب في السودان لم تعد مجرد شأن داخلي، بل تحولت إلى قضية تؤثر بصورة مباشرة على إستقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وهو ما يُفسر تزايد الإهتمام الإقليمي والدولي بالبحث عن مداخل صحيحة للولوج إلى عمق الأزمة وإيجاد حل سياسي شامل بعد إستشعار خطورتها؛ كما تكشف التحركات الدبلوماسية الأخيرة عن إدراك متزايد لدى الحكومات بأهمية الحوار والتنسيق المشترك لمواجهة التحديات الأمنية والإقتصادية المتصاعدة؛ ولذلك، تبرز الحاجة إلى بلورة رؤية إستراتيجية شاملة تقوم على قواعد الحرية والسلام والإستقرار، وإعتماد منطق تعزيز التعاون الإقليمي في مجالات الأمن والتنمية والتجارة ومكافحة المخدرات وتجفيف بؤر النزاعات العابرة للحدود، مع التأكيد على ضرورة إحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية؛ كذلك فإن السودان بحاجة ماسة إلى إنتهاج سياسة خارجية نشطة ومتوازنة تعيد بناء الثقة مع محيطه الإقليمي، وتستفيد من كل الفرص المتاحة لإعادة دمجه في المنظومات الإقليمية والدولية، لا سيما أن إستقراره اليوم يمثل عنصرًا أساسيًا لإستقرار القرن الإفريقي بأكمله، والعكس صحيح أيضًا؛ فأي إضطرابات في الإقليم ستنعكس بصورة مباشرة على السودان، ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب قدرًا كبيرًا من الحكمة السياسية، والقدرة على الحوار بنفس هادئ وعميق، وإدارة المصالح المشتركة بعقلانية تحقق التوازن بين الأمن والتنمية، وتفتح طريقًا واسعًا للعبور الآمن نحو مستقبل أكثر إستقرارًا للشعوب التي أنهكتها الحروب والأزمات والصراعات الممتدة.



