اقتصاد الناس بقلم د.عبدالله عجلون

من المصانع إلى التعدين: كيف غيّرت الأوضاع الاقتصادية مسار الشباب في السودان؟
في بلدٍ كالسودان كان يُفترض أن تضجّ أرضه بالمزارع والمصانع وورش الإنتاج، لكن الشيء المحزن جدا أصبح كثير من شبابه يطاردون الذهب في الصحارى ويهجرون مقاعد الدراسة وحقول الزراعة وخطوط الصناعة، ولم يكن ذلك حباً في التعدين بل هروباً من واقع اقتصادي جعل الإنتاج عبئاً، والجباية أقسى من الفقر نفسه، إذ لم تعد أزمة السودان الاقتصادية مجرد أرقام تتحدث عن معدل التضخم والبطالة وتراجع الإنتاج بل تحولت إلى ظاهرة اجتماعية خطيرة أعادت تشكيل أولويات الشباب ومسارات حياتهم، فبدلاً من التوجه نحو الصناعة والزراعة والتعليم، أصبح آلاف الشباب يشدون الرحال يومياً نحو مناطق التعدين التقليدي، تاركين خلفهم الورش والمزارع وقاعات الدراسة.
هذه الهجرة الجماعية نحو الذهب ليست حباً في التعدين بقدر ما هي هروب من واقع اقتصادي قاسٍ جعل الإنتاج الحقيقي مغامرة خاسرة، فالشاب الذي يفكر في إنشاء مصنع صغير أو ورشة أو مشروع زراعي، يجد نفسه منذ اللحظة الأولى محاصراً بالرسوم والضرائب والتصاديق والجبايات، يدفع قبل أن ينتج، ويُطالب بالضرائب قبل أن يحقق الربح، وكأن الدولة تعاقبه فقط لأنه حاول أن يعمل.
في المقابل تبدو مناطق التعدين التقليدي أكثر جذباً رغم قسوتها ومخاطرها العالية، هناك لا توجد إجراءات معقدة ولا مكاتب طويلة ولا ضرائب مقدمة، بل فرصة سريعة قد تمنح الشاب مالاً في أيام قليلة، حتى وإن كانت محفوفة بالمخاطر الصحية والأمنية والاجتماعية، لكن الخسارة الكبرى لم تكن في انتقال الشباب إلى التعدين فقط، بل في هجران القطاعات المنتجة الأخرى، وعلى رأسها الصناعة والزراعة. كثير من الورش الصغيرة أغلقت أبوابها بسبب ارتفاع التكلفة وضعف التمويل وكثرة الجبايات، فيما تُركت مساحات زراعية واسعة بلا عمالة أو اهتمام، لأن العائد الزراعي أصبح أبطأ وأقل مقارنة بحمى الذهب.
السودان الذي كان يُعرف بأنه بلد زراعي من الطراز الأول يواجه اليوم أزمة حقيقية في الإنتاج الزراعي بسبب نزوح الأيدي العاملة نحو التعدين، المزارع لم يعد يجد من يعمل في الأرض، وأصحاب المشاريع الصناعية الصغيرة لم يعودوا يجدون شباباً يقبلون بالتدريب والعمل الفني طويل المدى، الجميع يريد “ضربة حظ” سريعة في التعدين، لأن الاقتصاد نفسه فقد قدرته على مكافأة الصبر والإنتاج،
الأخطر أن هذا التحول خلق ثقافة اقتصادية جديدة تقوم على الربح السريع بدلاً من البناء طويل الأجل، فتراجع الاهتمام بالحرف المهارية والصناعات الصغيرة، وانخفضت الرغبة في التعليم المهني والتقني، وأصبح كثير من الشباب ينظرون إلى الزراعة والصناعة باعتبارهما مجالات مرهقة وضعيفة العائد.
الحكومة تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية لأنها لم توفر بيئة تشجع المنتجين الصغار، بل تعاملت معهم بعقلية الجباية لا بعقلية التنمية. فالضرائب المرتفعة، والجمارك على مدخلات الإنتاج، والبيروقراطية المعقدة، كلها عوامل دفعت الشباب بعيداً عن المصانع والمزارع، وقادتهم نحو اقتصاد هش يعتمد على استخراج الموارد الخام دون بناء قيمة مضافة حقيقية.
لكن معالجة الأزمة ما تزال ممكنة إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الواضحة، فالحلول لا تبدأ بالشعارات بل بخطط عملية تعيد الثقة للشباب في الإنتاج والعمل الحقيقي، أول هذه الخطوات يتمثل في إعفاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة من الضرائب والرسوم المحلية لعدة سنوات حتى تتمكن من الوقوف على أقدامها وتوفير فرص عمل مستقرة.
كما أن دعم القطاع الزراعي يجب أن يتحول إلى أولوية وطنية عبر توفير التمويل الميسر، وتخفيض أسعار الوقود ومدخلات الإنتاج الزراعي، وإعادة تأهيل مشاريع الري والطرق الزراعية والأسواق، فالزراعة ليست مجرد مهنة، بل صمام أمان اقتصادي واجتماعي لأي دولة تريد الاستقرار.
وفي القطاع الصناعي، تحتاج الدولة إلى إنشاء مناطق صناعية صغيرة للشباب، مزودة بالكهرباء والخدمات الأساسية، مع تسهيل استيراد الآليات ومدخلات الإنتاج دون جمارك مرهقة، كما أن توسيع التعليم التقني والمهني وربطه بسوق العمل سيساعد في إعادة الاعتبار للحرف والإنتاج بدلاً من ثقافة الربح السريع.
ومن المهم أيضاً تنظيم التعدين التقليدي نفسه بحيث يتحول من نشاط عشوائي يستنزف الشباب والبيئة، إلى قطاع منظم يساهم في الاقتصاد دون أن يبتلع الزراعة والصناعة والتعليم.
علماً بإن الدول لا تُبنى بالمناجم وحدها بل تُبنى بالمصانع والمزارع والمدارس ومراكز التدريب. فالذهب قد ينعش الأسواق مؤقتاً لكنه لا يصنع اقتصاداً مستقراً إذا انهارت الزراعة وتراجعت الصناعة.
فإذا استمرت الدولة في خنق الإنتاج بالجباية والإهمال فإنها لن تخسر الإيرادات فقط، بل ستخسر جيلاً كاملاً هجر الأرض والمصنع وقاعات الدراسة، واتجه إلى المناجم بحثاً عن فرصة حياة، أما إذا اختارت دعم الإنتاج وفتح أبواب الأمل أمام الشباب فإن السودان لا يزال قادراً على استعادة مكانته كبلدٍ يصنع ويزرع وينتج، لا بلدٍ يطارد أبناءه الذهب هرباً من الفقر واليأس.
فتكم بعااافية…نواصل@



