أعمدة الرأي

القمة الآفروأممية: متغيرات المواقف السياسية حول المسألة السودانية

سعد محمد عبدالله

يشهد الملف السوداني خلال المرحلة الراهنة تحولات سياسية ودبلوماسية متسارعة تعكس حجم التعقيد الذي أصبحت تتسم به الأزمة منذ إندلاع الحرب، إذ برزت مواقف إقليمية ودولية متباينة تكاد تقترب من حدود التنافر السياسي في ظل إحتدام التنافس بين القوى الكبرى حول النفوذ والمصالح في إفريقيا، وقد أضحت الحرب السودانية بندًا رئيسيًا ضمن أجندات عدد من العواصم المؤثرة والمنظمات الدولية التي تسعى إلى إعادة صياغة مقارباتها تجاه الأزمة وفقًا لمعادلات الأمن الإقليمي والتحولات الجيوسياسية في البحر الأحمر وشريط القرن والساحل الإفريقي، وهو جزء من سجالات إعلامية عميقة تجري على الساحة، وفي هذا السياق، فقد إكتسبت التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أهمية خاصة عقب إنتهاء قمة ”أفريكا فوروارد“، لا سيما بعد الزيارة التي قام بها وفد برلماني فرنسي إلى السودان، حيث أشار ماكرون بصورة واضحة إلى وجود جرائم جماعية وجرائم حرب ووضع إنساني بالغ الخطورة، مع تلميحات أوروبية، تقودها فرنسا، إلى الإستعداد لدعم جهود إستعادة الأمن والإستقرار في السودان، ويبدو أن هذا التحول النسبي في الخطاب الأوروبي يستحق التوقف والتدبر والتحليل الموضوعي، خاصة إذا ما قورن بالمواقف الأوروبية السابقة التي إتسمت بنوع من الريبة والحذر والضبابية عقب إندلاع هذه الحرب المشؤومة التي تقودها مليشيا الدعم السريع بدعم من حكومات الإستعمار؛ كما أن هذا التطور اللافت يعكس إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسات الأوروبية بأن إستمرار الأزمة السودانية لم يعد يمثل تهديدًا داخليًا فحسب، بل يحمل داخله تداعيات واسعة في ملفات الهجرة والأمن والإستقرار الإقليمي، وهذا الأمر دفع بعض العواصم الغربية المؤثرة إلى إعادة تقييم أدواتها السياسية والدبلوماسية التي تستخدمها اليوم تجاه قضية السودان.

يرتبط هذا التحول الأوروبي بصورة مباشرة بالحراك الدولي والإفريقي المتصاعد الذي تقوده الأمم المتحدة والإتحاد الإفريقي في محاولة لإيجاد مقاربة سياسية وإنسانية متوازنة للأزمة السودانية، خاصة مع توجه الأنظار نحو إنعقاد القمة رفيعة المستوى التي تجمع بين الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ورئيس مفوضية الإتحاد الإفريقي محمود علي يوسف بغية مناقشة القضايا الإفريقية الملحة، وفي مقدمتها تطورات الوضع في السودان، وتكتسب هذه القمة أهمية إستثنائية لأنها تأتي في ظل تصاعد وتيرة الصراعات العسكرية في مختلف المحاور والتحذيرات الإنسانية بشأن الأوضاع في مناطق النزاع والحصار، وما نتج عنها من أوضاع معيشية مأساوية وإنتهاكات واسعة بحق المدنيين العُزّل؛ كما أن الخطاب الدولي بات يربط بصورة متزايدة بين المسارين الإنساني والسياسي، في محاولة لخلق ضغط دولي يفضي إلى تسوية شاملة توقف الحرب وتعيد ترتيب المشهد السوداني، ومن هنا تبرز الأسئلة حول طبيعة العلاقة بين الخطاب الحقوقي الإنساني المتنامي وأجندة القمة الآفروأممية، خاصة مع صدور إعلان بانجول عن مفوضية حقوق الإنسان والشعوب الإفريقية في دورتها السابعة والثمانين، والذي تناول مسألة تدهور الأوضاع الإنسانية في السودان من زاوية أثارت إعتراض الحكومة السودانية التي إعتبرت أن التقرير المطروح إفتقر إلى المعلومات الدقيقة الصادرة عن المؤسسات الوطنية المختصة، ويكشف هذا التباين الحاد بين الرؤية السودانية وبعض المقاربات الدولية عن فجوة متنامية في فهم طبيعة الأزمة وأبعادها السياسية والإجتماعية وآليات حلها، إذ ترى أعين الخرطوم أن كثيرًا من المبادرات الدولية لا تزال تتعامل مع الملف السوداني بمنهج إنتقائي لا يراعي خصوصية السودان، وبل يتجاوز الإعتبارات السيادية والحقائق الميدانية المعقدة.

أما الموقف الأمريكي، فقد أظهر بدوره قدرًا من الحضور السياسي المصحوب بالحذر والتردد في آن واحد، وهو ما برز في تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس خلال مقابلته الأخيرة مع قناة الحدث، حيث أكد إستمرار إهتمام الولايات المتحدة بالأزمة السودانية القائمة، مع الإشارة بصورة غير مباشرة إلى حالة الإحباط من تعثر الجهود السياسية والدبلوماسية الرامية لإنهاء الحرب، وهذا الأمر يستدعي مراجعات سياسية عميقة جدًا في منهج الوساطة، حيث يلاحظ أن الخطاب الأمريكي في هذه المرحلة يتسم بقدر من الغموض فيما يتعلق بأدوات الضغط السياسي التي يحتمل إستخدامها لدفع الأطراف نحو التسوية، الأمر الذي يعكس صعوبة المشهد السوداني وتعقيد شبكة المصالح الإقليمية والدولية المرتبطة به؛ كما أن الإدارة الأمريكية تبدو منشغلة بإدارة أزمات دولية متزامنة، وهو ما يجعل الملف السوداني يتحرك ضمن أولويات متغيرة تخضع لحسابات التوازنات الدولية الأوسع؛ ومع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية الحضور الأمريكي في هذا المشهد المتحول، خاصة في ظل إمتلاك واشنطن صورة كاملة عن تفاصيل الأوضاع في السودان، ومعرفتها بممولي الحرب، وإمتلاكها أدوات تأثير سياسية وإقتصادية ودبلوماسية كبيرة يمكن أن تسهم في توجيه مسار الأزمة نحو حل صحيح ودائم إذا ما توفرت الإرادة السياسية لذلك، ويأتي هذا كله في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من إتساع رقعة الإضطرابات الأمنية والسياسية في الشريط الملتهب والممتد من القرن الإفريقي إلى منطقة الساحل، حيث أصبحت أزمة السودان الراهنة جزءًا من مشهد إقليمي مضطرب يهدد الأمن الجماعي الإفريقي والدولي، ولهذا تنظر كثير من القوى الدولية إلى السودان باعتباره دولة محورية ذات أهمية إستراتيجية في معادلات الإستقرار الإقليمي، وهو ما يفسر تكثيف الحوارات الإعلامية والمبادرات السياسية خلال الفترة الأخيرة.

في خضم هذه التطورات المتشابكة والمعقدة، تبرز الحاجة الملحة إلى صياغة رؤية سياسية متوازنة تستند إلى إحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه وإستقلال قراره الوطني، بعيدًا عن محاولات فرض الحلول الخارجية الجاهزة أو إختزال تعريف الأزمة في مسميات محددة أو النظر إلى بعدها الإنساني فقط؛ فالسودان، رغم تعقيدات أزمته الحالية، لا يزال يمتلك مقومات الدولة القادرة على إستعادة توازنها والسير إلى الأمام متى ما توفرت إرادة وطنية حرة ودعم إقليمي ودولي يحترم خصوصية التجربة السودانية، ومن المهم هنا الإشارة إلى أن الحكومة السودانية تحاول في هذه المرحلة إعادة تقديم رؤيتها للحل عبر عدد من المنابر الدولية، من بينها الزيارة التي يقوم بها رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس إلى المملكة المتحدة بعد محطة الفاتيكان، في إطار حراك دبلوماسي يهدف إلى شرح الموقف السوداني وكسب دعم المجتمع الدولي لفتح مسار سياسي يحفظ وحدة الدولة ويعيد بناء مؤسساتها الوطنية، وكما قلنا من قبل في هذا الإتجاه، فإن نجاح أي عملية سياسية مستقبلية يتطلب حوارًا سودانويًا يشارك فيه مختلف الفاعلين الوطنيين، بالتوازي مع وجود جهد دبلوماسي إقليمي ودولي يراعي المصالح العليا للسودان ويبتعد عن سياسات الإستقطاب والتدخلات المتضاربة؛ كما أن إعادة دمج السودان في محيطه الإقليمي والدولي ينبغي أن تتم من خلال شراكات قائمة على التعاون الإقتصادي والأمني والسياسي، بما يتيح للبلاد مساحة للعمل على إستعادة دورها الطبيعي في دعم السلم والإستقرار داخل القارة الإفريقية والمجتمع الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى