تقارير

الاحتفال باليوم العالمى للشعوب الاصيلة

-تقرير حبيبة الامين

في التاسع من أغسطس من كل عام يحيي العالم اليوم العالمي للشعوب الأصيلة، وهو اليوم الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1994 تخليداً لانعقاد أول اجتماع للفريق العامل المعني بالشعوب الأصلية في العام 1982. ويأتي هذا اليوم ليس كمناسبة احتفالية فحسب، بل كتذكير عالمي بأن هناك ملايين البشر ما زالوا يقاتلون من أجل الاعتراف بهم، وبأرضهم، وبلغتهم، وبحقهم في أن يعيشوا بكرامة دون أن يذوبوا في بوتقة واحدة تمحو خصوصيتهم. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة فإن عدد أفراد الشعوب الأصلية في العالم يتجاوز 476 مليون نسمة موزعين على أكثر من 90 دولة، ويتحدثون ما يزيد عن 4000 لغة، ويمثلون حوالي 5000 ثقافة متميزة. ورغم أن نسبتهم لا تتجاوز 6% من سكان العالم، إلا أنهم يحافظون على ما يقارب 80% من التنوع البيولوجي المتبقي على كوكب الأرض، لأن علاقتهم بالأرض لم تكن يوماً علاقة استغلال، بل علاقة تكامل واحترام متوارثة عبر الأجيال.

السودان ليس استثناءً من هذه الخريطة، بل هو في صميمها. فمنذ آلاف السنين كانت هذه الأرض ملتقى للحضارات وممراً للشعوب ومستقراً لمجموعات بشرية صنعت نمط حياة مرتبطاً بالجغرافيا والتاريخ. في جبال النوبة شرقاً وغرباً، وفي دارفور بسهولها ووديانها، وفي شرق السودان بساحل البحر الأحمر وصحرائه، وفي جنوب النيل الأزرق وجباله، وفي أطراف الشمال حيث النوبة، تعيش مجموعات تمثل الامتداد الحي للأصالة السودانية. النوبة بلغاتهم المتعددة وعاداتهم الزراعية، البجا بلغتهم التبداويت ونظامهم الاجتماعي المرتبط بالرعي والصيد، الفور والزغاوة والمساليت والداجو والبرتي وغيرهم بأنظمة الحكم الأهلي التي كانت تحسم النزاعات وتصون الأرض، والدينكا والنوير والشلك ونقوك وعدد كبير من المجموعات الأخرى التي شكلت فسيفساء السودان. هذا التنوع لم يكن يوماً ضعفاً، بل كان ولا يزال مصدر قوة، لأنه يعني تعدد الرؤى وتعدد الحلول وتعدد طرق العيش مع البيئة.

ومع ذلك فإن الشعوب الأصلية حول العالم وفي السودان على وجه الخصوص تواجه تحديات مركبة تهدد وجودها الثقافي والمادي معاً. فالنزاعات المسلحة التي شهدتها البلاد خلال العقدين الماضيين دفعت بملايين الأشخاص إلى النزوح من مناطقهم الأصلية، ومع النزوح لم ينتقل الناس فقط، بل انتقلت معهم ذاكرة جماعية بأكملها. المدارس التي كانت تدرس باللهجات المحلية أغلقت، والأسواق التي كانت تعرض الحرف اليدوية اختفت، والطقوس المرتبطة بالموسم الزراعي أو بالزواج أو بالحصاد لم يعد لها مكان في معسكرات النزوح. وعندما يغادر الإنسان أرضه التي عرف أسماء كل شجرة فيها وكل وادٍ وكل جبل، فإنه يفقد جزءاً كبيراً من هويته.

إلى جانب الحرب هناك تحدي اللغة. تصنف اليونسكو ما يقارب 40% من لغات العالم بأنها مهددة بالانقراض، وفي السودان نتحدث عن أكثر من 70 لغة ولهجة محلية، كثير منها لا يكتب ولا يدرس في المدارس. ومع الأجيال الجديدة التي تتعلم بلغة واحدة موحدة، تبدأ الأمهات في البيوت بالتوقف عن التحدث مع أطفالهن باللغة الأم خوفاً من أن يتأخروا دراسياً، وهكذا تنقطع الحلقة التي تنقل الموروث الشفهي من الجدة إلى الحفيدة. اللغة ليست مجرد كلمات، هي طريقة تفكير، هي نكات لا تُترجم، هي أغاني الحصاد، هي أسماء النباتات الطبية التي يعرفها الأجداد ولا توجد في الكتب.

أما الأرض فهي القضية الأكبر. فالشعوب الأصلية لا ترى في الأرض سلعة تباع وتشترى، بل تراها أماً ومصدر حياة وهوية. نظم الحواكير والإدارة الأهلية التي حكمت العلاقة بين الإنسان والأرض لقرون بدأت تتفكك تحت ضغط الصراع على الموارد، سواء كان الذهب أو المراعي أو المياه. وعندما تُنزع الأرض من أهلها الأصليين، لا يخسرون مصدر رزقهم فقط، بل يخسرون مقابر أجدادهم وأماكن عباداتهم وقصصهم التي ارتبطت بكل صخرة وكل وادٍ.

في هذا السياق يأتي دور المؤسسات التعليمية والثقافية ليكون محورياً. فالمدارس والمعاهد ليست مكاناً للتلقين فقط، بل هي المكان الذي يمكن أن يحفظ الذاكرة أو يمحوها. معاهد ومدارس المركز الأفريقي العربي العالمي وغيرها من المؤسسات التعليمية يمكنها أن تتبنى برامج لتوثيق اللغات المحلية، وأن تدخل في مناهجها مواد عن التراث الشعبي والحرف والفنون، وأن تستقطب معلمين من أبناء المناطق الأصلية حتى يرى الطفل نفسه في الكتاب المدرسي وفي المعلم الذي يقف أمامه. كما أن إقامة المهرجانات الثقافية وتشجيع اللبس التقليدي والرقصات والموسيقى داخل المدارس ليس ترفاً، بل هو مقاومة ناعمة ضد النسيان.

شعار الأمم المتحدة لهذا العام يركز على “حق الشعوب الأصلية في تقرير المصير”، وهذا الحق لا يعني الانفصال، بل يعني المشاركة. يعني أن يتم استشارة أهل المنطقة قبل اتخاذ أي قرار يمس أرضهم، وأن يكون لهم تمثيل عادل في البرلمانات والمؤسسات، وأن يتم الاعتراف القانوني بأراضيهم التقليدية. ويعني أيضاً حماية المدافعين عن حقوق هذه الشعوب الذين يتعرضون للتهديد والاعتقال لمجرد أنهم طالبوا بحق بسيط في التعليم بلغتهم أو في الرعاية الصحية في مناطقهم.

حين نتحدث مع نازحة من دارفور في أحد المعسكرات تقول ببساطة “أريد لابنتي أن تتعلم بلغة أهلها حتى لا تنسى من نحن”، وحين يقول شيخ من جبال النوبة “نحن لا نطلب صدقة، نطلب فقط أن نُرى”، ندرك أن القضية ليست قضية شعارات. إنها قضية بقاء. فالشعوب الأصلية هي خزانة الحكمة. هي التي حافظت على البذور المحلية المقاومة للجفاف، وعلى طرق العلاج بالأعشاب، وعلى أنظمة تعايش جعلت الناس يعيشون معاً لقرون رغم اختلافهم.

إن الاحتفاء باليوم العالمي للشعوب الأصيلة يجب أن يتجاوز البيانات والخطب. نحتاج إلى خطوات عملية: إدخال اللغات المحلية في التعليم الأساسي، وتوثيق الفنون والحرف، ودعم الإعلام المجتمعي الذي يبث باللهجات المحلية، وتمثيل عادل في صنع القرار، وحماية الأراضي من النهب والتهجير القسري. السودان الذي نحلم به لا يمكن أن يكتمل إلا إذا رأينا كل ألوانه وسمعنا كل لغاته واحترمنا كل جذوره. فالوطن الذي ينكر أصله يضيع مستقبله، والشجرة التي بلا جذور أول ريح قوية تسقطها. ومن هنا فإن التاسع من أغسطس ليس يوماً للشعوب الأصلية فقط، بل هو يوم لكل سوداني يؤمن بأن قوة هذا البلد تكمن في تنوعه، وأن المستقبل لا يُبنى على أنقاض الماضي،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى