إقتصاد الناس:د.عبدالله عجلون يكتب

*من “الكِسرة و العصيدة” إلى “الرغيف”: حين تحكي الأمثال الشعبية قصة إقتصادٍ مأزوم.*
في يوم أمس الجمعة ونحن حضور في إحدى المناسبات الإجتماعية بضاحية البنك العقاري مربع (22)أبو سعد، بدعوة كريمة تخص زواج احدي بنات المصلين المواظبين بالمسجد الذي يجاور منزلي، ومع تناول وجبة الإفطار في مائدة مليئة و مزدانة بالكسرة و العصيدة (سيدتا المائدة السودانية) بملاح التقلية و الروب و صحون الشطة الخضراء و ام فتفت و الشعيرية… الخ، و توا بدأنا نتجاذب أطراف الحديث عن أزمة الخبز الحادة والصفوف الطويلة و غلاء المعيشة في هذه الأيام و زيادة تعريفةالمواصلات، وقد حضرني المثل الشعبي القديم: “الزول البخلّي زادو في يد غيرو بجوع”.
لم يكن المثل مجرد قول عابر بل كان مدخلاً عميقاً لنقاش دار مع الخبير المصرفي والإداري الضليع الأستاذ/الحافظ عبدالرحمن سعيد جاب ولايات السودان عبر تقلده
عدة الوظائف من لدن ديوان الضرائب و بنك فيصل الإسلامي السوداني و وزارة المالية والقوي العاملة – جنوب كردفان وأخيراً خبيرا ببنك السودان المركزي، وقد ربط بحنكة رائعة بين هذا الموروث الشعبي وواقع الثقافة الغذائية التي كانت سائدة في المناسبات الإجتماعية (الأفراح و الأتراح) في الستينات و السبعينات التي خلت، وهذا ما قادني الي كتابة هذا المقال وربطه بهذه القضايا الإقتصادية الراهنة.
إذ لم يعد التحول الغذائي في السودان من الذرة والدخن – حيث “الكسرة” و“العصيدة” – إلى القمح و الخبز مجرد تبدّل في الذوق أو نمط الحياة او الثقافة الغذائية، بل أصبح مدخلاً لفهم هشاشة الإقتصاد السوداني أمام الصدمات الخارجية بل القضايا السياسية وليست ثورة ديسمبر ٢٠١٩م ببعيدة ابان الأزمات(الدقيق،الوقود،
النقود) التي عجلت بسقوط حكومة الإنقاذ ، ومع جراء تصاعد توترات الحرب الداخلية والحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، تتكشف بوضوح علاقة هذا التحول الغذائي بأزمات الخبز المتكررة في الداخل.
الكل يعلم أن إعتماد السودانيين تاريخياً على الحبوب المحلية كان يمنحهم قدراً من الإكتفاء النسبي والإستقرار، حيث تُنتج الذرة والدخن محلياً بتكاليف أقل، وبقدرة أكبر على التكيف مع المناخ، لكن مع توسع المدن وتغير أنماط الإستهلاك أصبح الخبز (الرغيف) المصنوع من القمح المستورد – هو السلعة الأساسية على مائدة المواطنين، مما أدخل السودان عملياً في دائرة التبعية الغذائية،
هذه التبعية تبدو اليوم أكثر خطورة في ظل التوترات الدولية، فالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لا تؤثر فقط على التوازنات العسكرية، بل تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والنقل والتأمين البحري، و أي إضطراب في منطقة الخليج – التي تُعد شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية – يؤدي إلى إرتفاع تكاليف الشحن والتأمين، ومن ثم زيادة أسعار السلع الأساسية، وعلى رأسها القمح.
بالنسبة للسودان الذي يعتمد بدرجة كبيرة على إستيراد القمح فإن أي أرتفاع في الأسعار العالمية أو تعطل في سلاسل الإمداد ينعكس مباشرة في شكل أزمة خبز داخلية. وهنا يظهر الترابط الخطير: قرار غذائي داخلي (التحول نحو القمح) أصبح رهينة التطورات جيوسياسية بعيدة عن حدود البلاد.
لقد شهدت البلاد بالفعل أزمات متكررة في الخبز، تمثلت في صفوف طويلة أمام المخابز، وارتفاع الأسعار، وتراجع الجودة. هذه الأزمات ليست فقط نتيجة لضعف الإدارة الإقتصادية، بل أيضاً نتيجة لبنية غذائية مختلة تعتمد على سلعة مستوردة في بيئة عالمية غير مستقرة، ومع أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط، تتضاعف إحتمالات تفاقم هذه الأزمة.
في المقابل تراجعت زراعة الذرة والدخن، رغم أنهما يمثلان خياراً استراتيجياً أكثر وأماناً، هذا التراجع لم يكن طبيعياً، بل جاء نتيجة لسياسات إقتصادية شجعت إستيراد القمح عبر الدعم وأهملت الإنتاج المحلي، وهكذا وجد السودان نفسه في مفارقة: بلد يمتلك أراضي خصبة وموارد زراعية واسعة، لكنه يعاني من أزمات خبز بسبب سلعة يمكن إستبدالها جزئياً بإنتاج محلي.
الأخطر من ذلك أن التحول الغذائي لم يكن إقتصادياً فقط بل ثقافياً أيضاً.
فقد ارتبط الخبز بالتحضر والرفاه بينما تراجعت مكانة “الكسرة” و“العصيدة” في الوعي العام خاصة لدى الأجيال الجديدة هذا البعد الثقافي يجعل من الصعب إعادة التوازن الغذائي دون جهد توعوي متكامل.
إن ربط أزمة الخبز بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران يكشف حقيقة مهمة: الأمن الغذائي لم يعد شأناً محلياً، بل جزءاً من معادلة الأمن القومي المرتبطة بالسياسة الدولية وكلما زاد إعتماد الدولة على الإستيراد زادت هشاشتها أمام الصراعات العالمية.
في الختام إن إستعادة السيادة الغذائية
والخروج من دائرة أزمات الخبز لا يمكن أن يتم عبر حلول مؤقتة، مثل زيادة الإستيراد أو توسيع الدعم، بل يتطلب تحولاً إستراتيجياً يعيد الإعتبار للحبوب المحلية بما فيها القمح المحلي، ويجب أن تتجه السياسات نحو دعم زراعة الذرة والدخن والقمح، وتحفيز الصناعات الغذائية المرتبطة بهما، وإدماجهما في النظام الغذائي الحضري بشكل حديث وجاذب.
كما أن تنويع مصادر إستيراد القمح وبناء مخزون إستراتيجي، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، تمثل خطوات ضرورية لتقليل المخاطر. وفي الوقت ذاته، لا بد من إعادة تشكيل الوعي المجتمعي، بحيث يُنظر إلى الغذاء المحلي ليس كخيار تقليدي بل كخيار سيادي وإستراتيجي.
ونحن في عالم تتقاطع فيه الحروب مع لقمة العيش، يصبح السؤال الحقيقي: هل يملك السودان قراره الغذائي؟ أم أن “الرغيف” سيظل رهينة لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل؟
فكما قيل في المثل: “البلد البتزرع قوتها ما بتخاف من جوع”. وبين المثلين، تتضح الطريق: إما أن نستعيد قرارنا الغذائي، أو نظل ننتظر “الرغيف” على أبواب الأزمات.
فتكم بعااافية…نواصل@

