Uncategorized

إقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

الإنسان أولاً.. كيف يحدد الذكاء الاصطناعي مستقبل العمل والاقتصاد؟

مع كل ثورة صناعية شهدها التاريخ كان السؤال الأكثر إلحاحاً هو: هل ستخدم التكنولوجيا الإنسان أم سيصبح الإنسان تابعاً لها؟
فمنذ اختراع الآلة البخارية في القرن الثامن عشر، مروراً بثورة الكهرباء والإنتاج الضخم ثم الثورة الرقمية في نهاية القرن العشرين، ظل العامل البشري هو المحور الحقيقي لأي تحول اقتصادي ناجح، واليوم ومع التسارع غير المسبوق في تقنيات الذكاء الاصطناعي يعود السؤال ذاته إلى الواجهة بصورة أكثر تعقيداً وإلحاحاً.
وفي افتتاح الدورة الـ114 لمؤتمر العمل الدولي التي
بدأت أعمالها الدورة الـ 114 لمؤتمر العمل الدولي في 1 يونيو 2026م بقصر الأمم بمدينة جنيف السويسريّة، وتستمر حتى 12 يونيو 2026م، حيث يشهد المؤتمر مشاركة ممثلين من الحكومات وأصحاب العمل والعمال من 187 دولة عضو في منظمة العمل الدولية.
وقد شدد جيلبرت هونغبو الامين العام لمنظمة العمل الدولية على ضرورة وضع الإنسان في قلب ثورة الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن مستقبل العمل لن تحدده التكنولوجيا وحدها، بل السياسات الرشيدة والمؤسسات الفاعلة والحوار الاجتماعي القادر على توجيه آثار هذه الثورة نحو تحسين حياة البشر لا تعقيدها.
هذه الرؤية تعكس حقيقة اقتصادية مهمة؛ فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أدوات وبرمجيات متطورة، بل قوة إنتاجية جديدة يمكن أن تعيد تشكيل أسواق العمل العالمية، فمن جهة تتيح هذه التقنيات رفع الإنتاجية وخفض التكاليف وتحسين جودة الخدمات وتسريع عمليات اتخاذ القرار، ومن جهة أخرى تثير مخاوف حقيقية بشأن فقدان الوظائف التقليدية واتساع فجوة المهارات بين العاملين، الأمر الذي قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية واقتصادية إذا لم تتم إدارته بحكمة.
لقد أثبتت التجارب الاقتصادية أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع التنمية، فالدول التي نجحت في استثمار الثورات الصناعية المتعاقبة لم تعتمد على الآلات فقط وإنما على بناء مؤسسات قوية، وتطوير نظم التعليم والتدريب، وحماية حقوق العمال، وتحديث التشريعات بما يواكب التحولات الجديدة. لذلك فإن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي بل في القدرة على توظيفها لخدمة التنمية الشاملة.
وفي السودان تكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة والحاجة الملحة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الإنتاج، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح آفاقاً واسعة لتحسين الأداء الحكومي، وتطوير القطاع الزراعي والصناعي، ورفع كفاءة الخدمات المصرفية، وتعزيز التخطيط الاقتصادي، ومكافحة الفساد، وتحسين إدارة الموارد العامة، غير أن تحقيق هذه المكاسب يتطلب استثمارات جادة في التعليم الرقمي، وتأهيل الكوادر الوطنية، وتطوير البنية التحتية للاتصالات، وإيجاد بيئة تشريعية تحفز الابتكار والإبداع وتحمي الحقوق في آن واحد.
كما أن سوق العمل السوداني بحاجة إلى التحول من التركيز على الوظائف التقليدية إلى بناء مهارات المستقبل، مثل تحليل البيانات، والبرمجة، والأمن السيبراني، وإدارة الأنظمة الذكية، فالدول التي تبدأ مبكراً في إعداد مواردها البشرية ستكون الأكثر قدرة على المنافسة في الاقتصاد العالمي الجديد.
إن رسالة مؤتمر العمل الدولي تتجاوز حدود التكنولوجيا إلى جوهر التنمية الإنسانية نفسها: فالتقدم الحقيقي لا يقاس بعدد الخوارزميات أو قوة الحواسيب بل بمدى انعكاسها على حياة الناس وفرصهم وكرامتهم، وإذا لم تُصاحب ثورة الذكاء الاصطناعي سياسات عادلة ومؤسسات قوية ورؤية وطنية واضحة، فقد تتحول من فرصة تاريخية للنمو إلى مصدر جديد للتفاوت والإقصاء، ولذلك فإن التحدي الأكبر أمام السودان والعالم ليس كيفية صناعة الذكاء الاصطناعي، بل كيفية ضمان أن يبقى الإنسان هو المستفيد الأول منه، لا الضحية الأولى لنتائجه.

فتكم بعااافية… نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى