اقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

ممارسة المهن ما بين تنظيم الدولة
و قيم الدين السمحاء
منذ أن عرفت البشرية الأسواق والحِرف ظل تنظيم المهن ضرورة لحماية المجتمع من الفوضى والغش والاستغلال ففي الحضارات القديمة كانت المهن تُدار وفق أعراف تضبط الجودة وتحفظ الحقوق، ثم جاء الإسلام ليمنح العمل بعداً أخلاقياً وإنسانياً، فجعل إتقان المهنة أمانة، والكسب الحلال عبادة، وربط حرية العمل بمصلحة المجتمع وعدم الإضرار بالناس، ولذلك ازدهرت الحِرف في الحضارة الإسلامية تحت مظلة العدالة والرقابة والأخلاق، حيث كان المحتسب يراقب الأسواق ويحمي الناس من الغش دون تعسف أو احتكار.
وفي السودان ظل العمل المهني والحرفي جزءاً أصيلاً من بنية المجتمع والاقتصاد خاصة في مجالات البناء والزراعة والصناعات الصغيرة والخدمات، غير أن السنوات الأخيرة كشفت عن أزمة حقيقية في تنظيم المهن والعمالة الماهرة، نتيجة ضعف التدريب الفني، وتراجع التعليم التقني، وغياب السياسات الاقتصادية الداعمة للإنتاج. فأصبحت البلاد تعاني paradox مؤلماً؛ بطالة واسعة وسط الشباب، وفي الوقت نفسه نقص حاد في العمالة الماهرة في كثير من القطاعات.
لقد أدى إهمال التعليم الفني والتقني إلى تراجع قيمة الحرفة في الوعي المجتمعي بينما اتجهت الدولة لسنوات طويلة نحو التعليم النظري على حساب التأهيل المهني، فأصبحت الأسواق تعتمد بصورة متزايدة على العمالة الأجنبية مج أو العمالة غير المؤهلة، مما أثر على جودة الإنتاج والخدمات، وأضعف تنافسية الاقتصاد الوطني. كما أن كثيراً من الحرفيين السودانيين المهرة هاجروا إلى الخارج بحثاً عن بيئة عمل أكثر استقراراً وتقديراً، فخسرت البلاد خبرات بشرية كانت تمثل رأس مال حقيقياً للتنمية،
ومن زاوية اقتصادية، فإن أي دولة تهمل العمالة الماهرة إنما تهمل أهم عناصر الإنتاج، فالتنمية لا تقوم على الموارد الطبيعية وحدها بل على الإنسان القادر على تحويل الموارد إلى قيمة اقتصادية، ولذلك فإن الدول التي نهضت اقتصادياً لم تبدأ بالمباني الضخمة بل بدأت ببناء الإنسان المهني المدرَّب والمنضبط سلوكياً.
لكن الإشكال في السودان لا يقتصر على ضعف التأهيل فقط بل يمتد إلى تعقيدات تنظيم المهن نفسها. فكثير من الحرفيين وأصحاب الأعمال الصغيرة يواجهون رسوماً وجبايات وإجراءات مرهقة، دون أن يجدوا تدريباً أو تمويلاً أو حماية اجتماعية حقيقية. فتحول التنظيم في بعض الأحيان من وسيلة للتطوير إلى عبء يدفع الناس نحو الاقتصاد العشوائي وغير المنظم وعمالة تمارس المهنة دون تدريب معتمد من جهة الاختصاص.
وهنا تظهر أهمية قيم الدين السمحاء التي دعت إلى احترام العمل اليدوي وعدم احتقار المهن، فقد عمل الأنبياء في الرعي والتجارة والحدادة والنجارة، وأكد الإسلام أن “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”. فالمعيار الحقيقي ليس نوع المهنة بل الأمانة والإتقان وخدمة الناس.
إن السودان اليوم بحاجة إلى ثورة حقيقية في التعليم الفني والتقني، وإلى إعادة الاعتبار للحِرف والعمالة الماهرة باعتبارها أساساً للإنتاج والاستقرار الإقتصادي، كما يحتاج إلى قوانين مهنية عادلة تشجع العمل ولا تخنقه، وتنظم السوق دون أن تتحول إلى أدوات للجباية أو الاحتكار،
فإذا استمر إهمال العمالة الماهرة، ستظل البلاد تستورد الخبرات والمنتجات معاً، بينما يفقد الشباب الثقة في قيمة العمل والإنتاج، وحينها لن تكون الأزمة أزمة وظائف فقط، بل أزمة دولة أهملت أهم ثرواتها: الإنسان المنتج الماهر.
فتكم بعااافية…نواصل@



