أعمدة الرأي

قراءات

عماد الدين الصادق العوض … يكتب 
بين الخذلان والتسامح
قراءة في “كم خذلوني” لــ”وفاء دلا”
﴿ عن دراسة الدكتور/الباشا أحمد برشم.. للشاعرة”وفاء دلا” وقصيدتها..﴾

حين يلتقي الشعر بالقراءة العميقة، تتحول القصيدة من نص فردي إلى حوار مفتوح بين المبدع والناقد والقارئ. وهذا ما يحدث تماماً حين نتأمل قصيدة “كم خذلوني” للشاعرة السورية “وفاء دلا”، من خلال قراءة الناقد الدكتور/ الباشا أحمد آدم برشم، الذي يمضي في النص كما الغواص الماهر، يلتقط اللآلئ المخبأة تحت الأمواج، ويعيد تقديمها في ضوء يكشف بريقها.

بين وجع الخذلان ونقاء الصفح، وبين ثقل الذاكرة وخفة الغفران، تتشكل قصيدة لا تكتفي بأن تُقرأ مرة واحدة، بل تدعو قارئها إلى العودة، والبحث في الطبقات العميقة لما تخفيه الكلمات.
في قراءته، يرى الدكتور/ الباشا. أن النص يتأسس على ثنائية الوجع والتسامح، فالشاعرة تكتب من مساحة متفجرة بتجربة شخصية، حيث الخذلان ليس حدثاً عابراً، بل ندبة تسكن عمق الروح. ومع ذلك، لا تتورط في خطاب انتقامي، بل تميل إلى لغة رصينة، تنسجها من خيوط الحكمة والشجن، فتتجاوز الانفعال المباشر إلى التأمل في البُعد الإنساني الأوسع.
الصورة الشعرية عند “وفاء دلا” ليست مجرد زخرفة جمالية، بل أداة مقاومة داخلية، بها تُرمم الذات شروخها، وبها تعيد ترتيب فوضى الذاكرة. هذه القدرة على تحويل التجربة الشخصية إلى نص قابل للتأويل والاتساع، تمنح القصيدة معناً إنسانياً يتجاوز السياق الفردي.
يُلفت الدكتور/ الباشا النظر إلى أن إيقاع النص ينبع من انسجام بين الجُملة الشعرية والنَفَس الداخلي للقصيدة، وكأن كل عبارة تنطلق من الأخرى بحذر ووعي. كما يقرأ في تكرار بعض العبارات دلالة على إصرار الشاعرة على تثبيت اللحظة الشعورية في ذهن القارئ، لا لتعيد الألم نفسه، بل لتعيد صياغته بوعي مختلف..

إن اختيار الألفاظ جاء محسوباً بدقة، فهناك لغة تلامس الحواس، وصور تستدعي المشهد بكل تفاصيله، وأخرى تفتح أفق التأمل أمام القارئ ليشارك الشاعرة في إعادة تشكيل التجربة. ويخلص الدكتور/ الباشا إلى أن “وفاء دلا” في هذه القصيدة تمارس كتابة الاعتراف، لا بالمعنى الاعتذاري أو التبريري، بل باعتباره فعل شجاعة ومواجهة مع الذات قبل أن يكون مواجهة مع الآخر.

وهكذا تمضي قراءة الدكتور/ الباشا أحمد آدم برشم لقصيدة “كم خذلوني” أبعد من كونها تفكيكاً لبنية نص شعري، لتغدو رحلة في المسافة الفاصلة بين الجرح الإنساني والقدرة على تجاوزه بالجمال.

لقد أضاءت هذه القراءة مناطق خفية في النص، وأبرزت كيف استطاعت “وفاء دلا” أن تحوّل الخذلان إلى مادة شعرية نابضة، وأن تكتب من مساحة يتعانق فيها الصدق العاطفي مع الحرف الممشوق. وهذا التلاقي بين حساسية الشاعرة وعمق الناقد يجعلنا نؤمن بأن الشعر لا يعيش إلا حين يجد من يصغي إليه بهذا القدر من الوعي والدهشة، وأن النصوص التي تُكتب من قلب الألم تظل قادرة على العبور إلى قلوب الآخرين، مهما اختلفت المسافات والأزمنة.
عماد الدين الصادق العوض
مكة المكرمة – الجمعة 2025/08/1

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى