أعمدة الرأي

اقتصاد الناس

بقلم:د.عبدالله عجلون

حظر السلع الكمالية…هل يبدأ السودان رحلة الإنتاج بدل الاستهلاك؟

منذ عقود طويلة ظلت الاقتصاديات في الدول النامية تواجه معضلة مزمنة تتمثل في اتساع فاتورة الواردات مقابل محدودية الصادرات والإنتاج المحلي، وفي أوقات الأزمات الاقتصادية وشح العملات الأجنبية، تلجأ الدول إلى سياسات استثنائية تهدف إلى حماية اقتصادها الوطني وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، بحيث تُوجَّه الموارد المتاحة إلى ما هو ضروري واستراتيجي بدلاً من استنزافها في سلع يمكن الاستغناء عنها أو إنتاج بدائل لها محلياً.
وفي هذا السياق جاء قرار الحكومة السودانية(الأمل) بحظر استيراد عدد من السلع الكمالية وغير الضرورية، والذي دخل حيز التنفيذ رسمياً اعتباراً من العاشر من مايو 2026م الماضي، كإحدى الأدوات الاقتصادية الرامية إلى تخفيف الضغط على النقد الأجنبي وتوجيه الموارد المحدودة نحو احتياجات البلاد الأساسية.
ورغم أن القرار أثار نقاشاً واسعاً بين مؤيد ومعارض، إلا أن القراءة الاقتصادية الموضوعية تشير إلى أن نجاحه لا يقاس فقط بحجم السلع الممنوعة، وإنما بقدرته على إحداث تحول حقيقي في أنماط الإنتاج والاستهلاك داخل الاقتصاد الوطني المأزوم.
فالقائمة التي تضم منتجات مثل الشوكولاتة والحلويات والمقرمشات والعصائر الجاهزة وبعض المصنوعات الجلدية والسلع الترفيهية… الخ، تمثل جزءاً من الواردات التي تستنزف العملات الأجنبية دون أن تسهم بصورة مباشرة في دعم الأمن الغذائي أو النشاط الإنتاجي الحيوي، وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد يصبح منطقياً إعطاء الأولوية لاستيراد القمح والدواء ومدخلات الإنتاج والوقود والسلع الإستراتيجية الأخرى.
ومن الجانب الإيجابي يفتح القرار نافذة مهمة أمام المنتج الوطني. فالسوق السودانية تمتلك فرصاً كبيرة لتطوير الصناعات الغذائية والتحويلية والجلدية إذا توفرت الحماية المؤقتة والدعم الفني والتمويلي اللازم، كما أن تقليل المنافسة مع المنتجات المستوردة قد يمنح المصانع المحلية فرصة للتوسع ورفع الطاقة الإنتاجية وتوفير فرص عمل جديدة للشباب.
لكن في المقابل، فإن نجاح القرار يتطلب أكثر من مجرد الحظر، فالسوق لا يعترف بالفراغ وإذا لم تتوفر بدائل محلية بجودة مناسبة وأسعار معقولة فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع الأسعار أو تنشيط عمليات التهريب، وهو ما قد يفرغ القرار من أهدافه ومراميه الاقتصادية.
ولهذا فإن المرحلة المقبلة تستوجب حزمة متكاملة من السياسات تشمل دعم الإنتاج الوطني، وتوفير التمويل للمصانع، وتسهيل الحصول على المواد الخام، وتحسين بيئة الاستثمار، وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة القادرة على سد الفجوات التي قد تنشأ نتيجة تقليص الواردات.
كما أن القطاع الخاص مطالب باغتنام هذه الفرصة التاريخية عبر الاستثمار في الصناعات البديلة، بدلاً من الاكتفاء بدور الوسيط التجاري بين الأسواق الخارجية والمستهلك المحلي.
إن القرارات الاقتصادية الجريئة غالباً ما تكون مؤلمة في بداياتها لكنها قد تتحول إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على الذات إذا أُحسن تنفيذها وربطها بخطط إنتاج حقيقية.
السؤال الذي يطرح نفسه هل ينجح السودان في تحويل هذا القرار من مجرد إجراء لتقليل الاستيراد إلى مشروع وطني لإحياء الصناعة المحلية وبناء اقتصاد منتج قادر على المنافسة، أم أنه سيظل حلاً مؤقتاً تفرضه الظروف دون أن يغير من واقع الاقتصاد شيئاً؟

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى