أعمدة الرأي

البعد_الآخر


مصعب بريــر… يكتب
مشرطٌ عاجز ودقيقٌ مُتعفن.. كيف نتصدى لجرائم الإعدام البطيء الخفية ..؟!

أزمة النظام الصحي في بلادنا لم تعد اليوم مجرد تنظير على الورق، بل تحولت إلى مأساة يومية حقيقية تدفع خيرة عقولنا للهروب والتسرب. قضية الجراح سامر عبدالقادر، اختصاصي جراحة الأوعية الدموية والقدم السكري، كشفت لنا بوضوح الوجه القبيح للهشاشة المؤسسية التي تضرب شرايين الصحة في مقتل.
نحن أمام طبيب عاد لوطنه محملاً بالديون وحب الناس، ليجد نفسه وحيداً يغطي مساحة جغرافية شاسعة تمتد من مدينة الدبة إلى مدينة حلفا، بمرتب شهري مهين لا يتجاوز الثلاثين دولاراً أمريكياً.
تخيلوا معي طبيباً يحمل أدواته الجراحية البسيطة في حقيبته الخاصة، يعقمها بنفسه مراراً لإنقاذ مرضاه، ويرفض استغلالهم مادياً رغم قسوة الظروف. سامر، وهو واحد من ستة جراحين فقط في هذا التخصص الدقيق بكل السودان، اضطر آسفاً لإغلاق وحدته بالولاية الشمالية.
هذا القرار القاسي لم يكن هرباً من المسؤولية الوطنية، بل لأن وقوفه مكتوف الأيدي أمام مريض يفقد ساقه بسبب غياب قسطرة بسيطة، أو مريض يموت أمام عينيه لانفجار شريان لعدم توفر بديل صناعي، يمثل قمة العجز والقهر. لقد خاطب وزارة الصحة لعام كامل لتوفير المستهلكات الطبية الضرورية، فكان الرد صمتاً مميتاً.
هذا التجاهل يثبت أن الخلل لا يكمن بنقص المال فحسب، بل بسوء إدارة الأزمات وموت الضمير المهني. كيف نلوم الكوادر الطبية على الهجرة، والبيئة تطردهم وتجعلهم يفقدون مهاراتهم التي اكتسبوها بشق الأنفس؟
المفارقة الموجعة التي أشارت إليها الأستاذة رشان أوشي، أن هذا الإهمال الطبي القاتل يتزامن مع فساد إداري ترك آلاف جوالات الدقيق تفسد في المخازن بينما الناس جياع.
إنها عقلية اللامبالاة ذاتها؛ تترك المريض ينزف حتى الموت، وتترك الطعام يتعفن. استمرار هذا الترهل والجمود يعني حكماً بالإعدام البطيء على المواطنين، وتحويل مستشفياتنا لمحطات انتظار للموت.
بعد اخير :
خلاصة القول، لإيقاف هذا النزيف القاتل، نحتاج فوراً إلى إعلان حالة الطوارئ الإدارية في القطاع الصحي بأكمله. يجب تجاوز البيروقراطية العقيمة عبر إنشاء مسارات سريعة ومباشرة لتوفير المعينات المنقذة للحياة، وتخصيص ميزانيات طوارئ عاجلة تديرها لجان متخصصة من الأطباء العاملين في الميدان. كما ينبغي صياغة عقود عمل استثنائية تحترم آدمية الكوادر النادرة وتدعمهم، وتوفر لهم بيئة تحمي مهاراتهم الطبية من التآكل والضياع.

وأخيرًا، اإن الحفاظ على كوادرنا الطبية وتخصصاتنا النادرة اليوم هو معركة أمن قومي حقيقية لا تقبل أي مساومة أو تأجيل. إذا لم نستأصل أورام الفساد والتسيب الإداري من جسد مؤسساتنا الصحية فوراً، فلن نفقد فقط جراحين مخلصين بحجم سامر، بل سنفقد نبض الوطن وقدرتنا المتبقية على البقاء كدولة قادرة على حماية حق إنسانها في الحياة الكريمة.

﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الخميس | 2 أبريل 2026م
musapbrear@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى