أعمدة الرأي

تقديم

د. الباشا احمد برشم
د. الباشا برشم… يكتب
في مقدمة كتاب كردفان في الشعر السوداني الفصيح لصاحبه د. الضو ابراهيم الضو

ما أمرّ نزيف الأقلام على الأوراق في هذا الزمن المُر! لقد تخثر الحبر مثلما تخثرت دماء كل أوردة وشرايين الحياة في بلادنا، موت بلا مقابل، تشرد، نزوح، ومصير مجهول!
في غمار هذه التراجيديا والمناخ القاتل ومن بين براثن الألم، يجود علينا الأديب الأريب الضو إبراهيم الضو بسفره الموسوم (كردفان في الشعر السوداني الحديث) نافضاً الغبار عن أدباء بلادنا، مختصاً كردفان بهذا الجهد المقدر.
لقد كانت التربة الكردفانية بلا جدال هي الأكثر خصوبة ومناسبة لنمو الأدب السوداني نظماً ونثراً، فهي معرض متجدد لكل الطيف الفني بشتى ضروبه الإبداعية؛ لذلك استطاعت جذب الأصوات المبدعة من شتى بقاع القطر، منهم المقيمون، ومنهم العابرون.
لعلّ الكثيرين يوافقون على أن الأدب السوداني قد اكتمل نضجه منذ أمد بعيد، أو بالأحرى منذ العصر النيوكلاسيكي كما تسميه الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي. وأدباء كردفان بلا شك هم جزء لا يتجزأ من الإنتليجنسيا السودانية والعالمية الحديثة، لكنهم ظلّوا بمثابة كُمون النار في العود إلى أن أتى هذا الباحث حافراً ومنقباً بمعوله في الأعماق ليخرج لنا كنوزاً كنّا نجهلها تمام الجهل.
وبما أن الباحث من مواليد وقاطني ولاية الجزيرة الخضراء الملهمة، ساقته ظروف العمل وحطّت به في مدينة الأبيض حاضرة كردفان، وتجوّل في بواديها؛ فلا غرو أن يكون عطاء اللقيا هذا الكتاب:
الشرق أتى
والغرب أتى
وتلاقت قمم يا مرحا
سعدتُ أيّما سعادة بهذا الكتاب لأن الشعر السوداني عامة والكردفاني خاصة من الأمور التي تستهويني على المستوى الشخصي، وأجد فيه ملاذاً آمناً من وعثاء الطريق وعثرات الحياة الحاضرة، وقد قيل: (إن الشعوب لا تنسجم إلا مع فنونها وتراثها).
أبحرتُ في الكتاب وأدهشني حقيقة بروائع لم تكن في الحسبان، وأمتعتُ نفسي به كثيراً حيث قرأته أكثر من مرة، وفيه تفرّد الباحث عن النمط التقليدي متخذاً لنفسه فكرة أخّاذة مبتكرة من خارج الصندوق، مستخرجاً كثيراً من الثمرات الناضجة مما صاغه شعراء السودان من خلال حبهم المتأصل لكردفان.
يأتي هذا الكتاب ردفاً لكتابه السابق (أدباء كردفان، تراجم ونماذج) ولكل منهما علوّ وسموّ على الآخر، ويمثلان باكورة التوثيق للأدب الكردفاني. واتّسم الكتاب بسلامة اللغة وسلاستها والترتيب المنطقي للمادة كما ظهر فيه نفس الكاتب جلياً وأحاسيسه ومشاعره مما يدل على الجدية والهمة العالية لبلوغ المرام. واحتوى أيضاً الشعر الفصيح بنوعيه العمودي والحُر، الذي سكب فيه الشعراء عصارة وجدانهم وحبهم لكردفان حباً جماً ملك شغاف قلوبهم.
كذلك للمؤثر الزمكاني دور مهم في صناعة الإبداع، فمن حيث الزمان نجد أن هناك محطات في تاريخ السودان الحديث شهدتها كردفان لا يمكن تجاوزها، فقد كانت متكأً وسنداً قوياً للإلهام الشعري، مثل موقعة شيكان والأبيض وبارا وغيرها. ومن حيث المكان والطبيعة فهي بلاد غنية بخيراتها ومناظرها الخلابة، فهي مهوى الأفئدة، وقد أُطلق عليها (كردفان الغرّاء أم خيراً جوة وبرّا) وهذا ليس جزافاً بل يشهد به كل من جاد له الزمان بالوقوف على تلك الربوع ومدّ البصر وألقى السمع وهو شهيد.
دكتور الضو اختار لنفسه مقعداً سامياً بين الباحثين الأصلاء الذين جادوا وأبدعوا وأعطوا الأمر حقه، ولذلك فلابد لكل قاريء متشوّق للحقيقة وباحث عن الأصول أن يطّلع على هذه الصفحات المشرقة والمُترعة بالقيم الجمالية والألق الكردفاني، وبلا شك من يرد موردها سيجد ما يطفيء ظمأه بين سطورها.
نفع الله الأمة جمعاء بهذا الكتاب وجزى الله كاتبه خير الجزاء على ما قدّم من عمل يشرح النفوس بالإمتاع.
وختاماً أسجي شكري الجميل للدكتور القامة الضو إبراهيم الضو وهو يخصّني بشرف كتابة مقدّمة هذا العطاء الثرّار المدرار، والتحية لكل القُرّاء المطلعين على هذا الكتاب.
د. الباشا برشم
أستاذ مساعد في الأدب المعاصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى