شئ للوطن

م.صلاح غريبة … يكتب
السودان والمغتربون: شراكة استراتيجية للمستقبل
يواجه السودان في مرحلته الحالية تحديات اقتصادية وسياسية كبرى تتطلب تكاتف الجهود الداخلية والخارجية. وفي خضم هذه التحديات، يبرز دور المغتربين والمهاجرين السودانيين في الخارج كشريك استراتيجي لا يمكن تجاهله. إن الاهتمام بهذه الشريحة ووضع خطط واضحة للاستفادة من إمكاناتها الاقتصادية والعلمية لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة قصوى لضمان التعافي والتنمية المستدامة.
يُعرف السودان بارتفاع نسبة الهجرة، وتنتشر الكفاءات السودانية في مختلف أنحاء العالم، حاملة معها خبرات ومعارف قيمة. وتشكل تحويلات المغتربين شريان حياة للاقتصاد السوداني، حيث تساهم بشكل كبير في دعم الأسر وتوفير العملات الصعبة. ولكن هذه التحويلات، على أهميتها، لا تمثل سوى جزءاً من الإمكانات الحقيقية التي يمكن الاستفادة منها.
فـ اقتصاديات الهجرة بمفهومها الأوسع تشمل جذب الاستثمارات المباشرة من المغتربين، وتشجيعهم على إنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة في السودان، بالإضافة إلى الاستفادة من شبكاتهم وعلاقاتهم الدولية لفتح أسواق جديدة للمنتجات السودانية. إن إشراك هذه الكفاءات في صياغة وتنفيذ خطط التنمية سيضفي عليها بعداً عالمياً وعملياً، مما يزيد من فرص نجاحها.
لتحويل هذه الإمكانات إلى واقع ملموس، يجب على الدولة السودانية توفير حوافز جاذبة تشجع المغتربين على المشاركة الفاعلة. يمكن أن تشمل هذه الحوافز تسهيل الإجراءات البيروقراطية للاستثمار، وتوفير بيئة استثمارية آمنة ومستقرة، مع تقديم امتيازات ضريبية وجمركية على المشاريع التي ينفذها المغتربون، بجانب إنشاء صندوق استثماري خاص بالمغتربين لإدارة مدخراتهم وتوظيفها في مشاريع تنموية ذات جدوى، وتبسيط إجراءات الحصول على الخدمات الحكومية الأساسية للمغتربين وأسرهم.
في سياق تفعيل دور المغتربين، يبرز تساؤل مهم حول الجهة الأنسب لتنظيم شؤونهم. إن ضم جهاز تنظيم السودانيين بالخارج إلى وزارة الخارجية والتعاون الدولي يعد خطوة استراتيجية في الاتجاه الصحيح. فالعلاقة بين المغتربين والدولة هي في جوهرها علاقة دبلوماسية، حيث يمثل المغتربون سفراء غير رسميين لبلادهم.
يضمن هذا الدمج تقارب التخصص والاستفادة من الخبرات المتبادلة. فوزارة الخارجية لديها البعثات الدبلوماسية والقنصليات المنتشرة حول العالم، والتي يمكنها أن تكون حلقة وصل فعالة ومباشرة مع المغتربين. كما أن العمل المشترك سيسهل عملية تقديم الخدمات القنصلية، وحماية مصالحهم، وتنظيم مشاركتهم في الشأن الوطني. ستتحول القنصليات والسفارات من مجرد ممثلات سياسية إلى مراكز خدمية وتنموية تسهم في تحقيق أهداف الوطن والمغتربين معاً.
إن الاهتمام بالمغتربين ليس مجرد واجب أخلاقي تجاه أبناء الوطن، بل هو استثمار حقيقي في مستقبل السودان. فالمرحلة القادمة تتطلب حشد كل الطاقات واستثمار كل الموارد المتاحة. يجب على الحكومة السودانية أن تضع سياسات واضحة وشاملة للاستفادة من هذه الشريحة، وأن تشركها بشكل فعّال في عملية إعادة بناء الوطن. إن بناء الثقة وتقديم الحوافز المناسبة هو المفتاح لتحويل أبناء السودان في المهجر من مجرد محولين للأموال إلى شركاء فاعلين في بناء مستقبل أفضل للجميع.
Ghariba2013@gmail.com

