ضوء القمر

عبد العليم مخاوي… يكتب
أزمة الثقة وغياب القيادة
قدّم منتخبنا الوطني الأول خلال مشاركته الأخيرة في بطولة كأس العرب بالدوحة صورة واضحة، بل مؤلمة، لما تعانيه الكرة السودانية من مشكلات مزمنة تضرب كل مفاصل المنظومة.. فالأداء الذي ظهر به اللاعبون داخل الميدان، وردود الأفعال وسط الجمهور، والقراءات الفنية بعد المباريات، جميعها أكدت أن الأزمة أكبر من مجرد خسارة مباراة أو تراجع مستوى لاعب، إنها أزمة منظومة كاملة تتداخل فيها الثقة والقيادة والتدريب في مشهد واحد.
لطالما عُرف اللاعب السوداني بموهبته الفطرية وروحه القتالية عندما يكون في يومه، لكن هذه الموهبة كثيرًا ما تتراجع بسبب الهشاشة الذهنية وعدم القدرة على الحفاظ على التركيز تحت الضغط..في المباريات الكبيرة، مثل مواجهة الجزائر، ظهر اللاعب السوداني بروح عالية وتنظيم مقبول، لكن في لحظات أخرى—مثل مباراة البحرين التي خسرناها بثلاثة أهداف مقابل هدف—فقد المنتخب بوصلته تمامًا، وكأن هناك فريقين مختلفين داخل بطولة واحدة.
هذا التناقض ليس وليد اللحظة، بل نتيجة غياب برامج تعنى بالجانب النفسي للاعب، وعدم وجود خبراء في علم النفس الرياضي داخل المنتخبات.. فعندما يهتز اللاعب بعد خطأ أو هدف مبكر، تتراجع التمريرات القصيرة، وتضيع الثقة في البناء الهجومي، وتختفي الشخصية داخل الملعب. إنها أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة تكتيك.
لا يمكن لمنتخب أن يتطور دون قيادة واضحة وفلسفة ثابتة.. وللأسف، تعاني الكرة السودانية منذ سنوات من عشوائية إدارية جعلت المنتخب يبدأ من الصفر في كل تجمع أو بطولة..تغيير المدربين باستمرار، وتكوين منتخبات بمبدأ “المتاح من اللاعبين” بدلاً من “الأفضل فنياً”، وغياب خطة مركزية تمتد لسنوات هذه عوامل أدت لاهتزاز الاستقرار الفني.
القيادة هنا لا تعني المدرب فقط، بل تشمل اتحاد الكرة، واللجان الفنية، وطريقة اختيار اللاعبين، وتنظيم المعسكرات. فكيف يمكن لمنتخب يخوض بطولة إقليمية أن يذهب دون معسكر نموذجي أو مباريات إعداد كافية؟ وكيف يمكن لمنتخب يلعب أمام مدارس كروية مثل البحرين والعراق والجزائر أن يعتمد على اجتهادات فردية بدلاً من منظومة عمل متكاملة؟
إن غياب القيادة الفاعلة جعل المنتخب يدخل منافسات كأس العرب بجسد يركض ولكن بدون عقل كروي يدير الإيقاع.
*في مباراة البحرين تحديداً، ظهرت واحدة من أكبر مشكلات المنتخب، اختفاء أسلوب اللعب الممرحل.
لم تكن هناك تمريرات قصيرة لبناء الهجمة، ولا تحركات بين الخطوط، ولا تبادل للكرة في المناطق الضيقة. تباعدت الخطوط، وفقد اللاعبون الثقة في الاحتفاظ بالكرة، فتحول اللعب إلى إرسال كرات طويلة غير دقيقة، الأمر الذي سهّل على المنتخب البحريني السيطرة على الملعب.
هذه ليست مشكلة مباراة واحدة، بل انعكاس لفجوة في جودة التدريب المحلي، غياب التحضير البدني المناسب، ضعف العمل التكتيكي، عدم وجود منهج واضح للضغط العالي أو الدفاع المتقدم، انعدام التمرين على اللعب في ظروف التقدم أو التأخر
وبالتالي، عندما تواجه منتخبات منظمة، يظهر الفارق في الرتم والتحضير والوعي التكتيكي بشكل فاضح.
أثبتت جماهير السودان في كل مناسبة أنها تساند منتخبها حتى اللحظة الأخيرة، وأنها متعطشة للفرح والانتصار.. لكن ما يحدث داخل الملعب لا يرقى لطموحات هذا الجمهور الذي يعرف قيمة السودان الكروية وتاريخه.. المشاركة في كأس العرب كشفت الهوة الكبيرة بين ما يستحقه الجمهور وما تقدمه المنظومة، وأكدت أن المنتخب—مهما بذل اللاعبون من مجهود فردي—يحتاج إلى هوية واضحة تميّزه وتجعل أداءه مستقراً لا يعتمد على المزاج العام للفريق..فما الحل؟
لعل أبرز ما تحتاجه الكرة السودانية اليوم هو مشروع إصلاح حقيقي، يقوم على عدة أشياء مهمة منها بناء هوية لعب واضحة، وأسلوب محدد يعتمد عليه المنتخب في كل الظروف، سواء ضغط عالٍ أو لعب ممرحل أو دفاع متوسط.. فضلاً عن الاستقرار الفني بعد تمديد التعاقد مع المدير الفني كواسي ابياه بعقد طويل الأمد، وهو ما يمنحه الوقت لوضع بصمته وصقل اللاعبين.. بجانب تطوير اللاعب ذهنياً، وإدخال مدربين مختصين في علم النفس الرياضي، ووضع برامج للتركيز والتحمل الذهني..ورفع جودة التدريب المحلي..وتأهيل المدربين في المدارس الحديثة، وتطوير الأكاديميات، وتحسين الدوري المحلي.. والأهم من ذلك إصلاح إداري شامل لإنهاء العشوائية والقرارات الارتجالية، وبناء منظومة احترافية تستحق أن تكون واجهة الكرة السودانية.
ختاماً:
نقول لم تكن بطولة كأس العرب مجرد مشاركة عابرة لمنتخبنا، بل كانت مرآة كاشفة لكل ما هو مختل في المنظومة. وما لم تبدأ عملية إصلاح جادة، فستظل الكرة السودانية تدور في الحلقة نفسها: موهبة بلا توظيف، وجمهور بلا فرح، ومنتخب بلا هوية.
لكن الطريق ما زال ممكناً، والأمل موجود، فالسودان يملك خامات رائعة.. فقط يحتاج إلى من يحسن إدارتها وتوجيهها.
اللهم أرحم أمي عشة والسر وعز الدين وعبد العزيز وأسعد عمر وعمتي اللازمة وكل موتى المسلمين واغفر لهم واجعلهم من أصحاب اليمين
اللهم انصر الجيش والمنتخب الوطني الأول والهلال فوق كل ارض وتحت كل سماء.

