أعمدة الرأي

.عبدالله عجلون *ديوان شؤون الخدمة العامة وتشوّهات الهيكل الراتبي … إصلاح مؤجل أم إدارة للأزمة؟*

في كل مرة تُعلن فيها الحكومة زيادات جديدة في الرواتب، يتجدد الأمل لدى العاملين في الخدمة المدنية بأن تُعالج أخيرًا واحدة من أعقد مشكلات الإدارة العامة في السودان، وهي تشوّهات الهيكل الراتبي. لكن ما يحدث في الواقع غالبًا هو العكس؛ إذ تتحول تلك الزيادات إلى عامل إضافي لتعميق الاختلالات بدلًا من معالجتها.
الزيادات الأخيرة التي أُعلن عنها في بعض القطاعات أعادت السؤال القديم إلى الواجهة: هل المشكلة في ضعف الموارد المالية فقط، أم في طريقة إدارة الهيكل الراتبي نفسه؟ وهنا يقف ديوان شؤون الخدمة العامة في قلب هذا الجدل باعتباره الجهة المسؤولة عن تنظيم الخدمة المدنية ووضع الأطر العامة للأجور والترقيات والهياكل الوظيفية.
من حيث المبدأ يفترض أن يكون الديوان هو حارس العدالة الوظيفية في الدولة، وأن يضمن وجود هيكل راتبي متوازن يقوم على معايير واضحة مثل المؤهل العلمي، وسنوات الخدمة، وطبيعة العمل، والمسؤوليات الوظيفية.
لكن الواقع الحالي يكشف عن صورة مختلفة؛ حيث أصبحت الخدمة المدنية ساحة لتفاوتات حادة في الأجور بين مؤسسات متشابهة، بل وحتى بين وظائف داخل المؤسسة الواحدة.
هذه التشوّهات لم تأتِ من فراغ، فهي نتيجة سنوات طويلة من الإستثناءات والقرارات الجزئية التي كسرت مبدأ الهيكل الموحد، ففي كثير من الحالات تم منح قطاعات محددة زيادات أو بدلات خاصة نتيجة لضغوط نقابية أو اعتبارات سياسية، بينما ظلت قطاعات أخرى تعمل ضمن هياكل راتبية قديمة لا تعكس لا طبيعة العمل ولا تكلفة المعيشة.
ومع كل زيادة جديدة تُعلنها الحكومة دون إصلاح شامل، تتسع الفجوة أكثر. فبدلاً من أن تكون الزيادة جزءاً من إصلاح مؤسسي متكامل، تتحول إلى مجرد معالجة مؤقتة لأزمة اجتماعية أو ضغط وظيفي آني.

ان المشكلة الحقيقية ليست فقط في حجم الرواتب بل في غياب العدالة في توزيعها، فالعدالة الوظيفية لا تعني أن يتقاضى الجميع نفس الراتب، بل أن تكون الفروقات مبنية على أسس موضوعية واضحة، أما عندما تصبح الرواتب رهينة الإستثناءات، فإن النتيجة الطبيعية هي الإحباط الوظيفي، وانخفاض الإنتاجية، وازدياد الهجرة من الخدمة العامة إلى القطاع الخاص أو خارج البلاد.
كما أن إستمرار تشوّهات الهيكل الراتبي يضعف مؤسسات الدولة نفسها، فالموظف الذي يشعر بالظلم أو بعدم التقدير المالي لن يكون قادراً على تقديم أفضل ما لديه بل قد يبحث عن مصادر دخل أخرى لتعويض الفجوة، وهو ما يفتح الباب أمام إختلالات إدارية وإقتصادية أكبر،
إن المسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة فقط، لكنها تبدأ بلا شك من ديوان شؤون الخدمة العامة بوصفه الجهة الفنية المسؤولة عن إصلاح الخدمة المدنية، فالديوان مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالخروج من دائرة إدارة الأزمة إلى مرحلة الإصلاح الحقيقي.
ولتحقيق ذلك، هناك عدة خطوات ضرورية يمكن أن تشكل بداية الطريق، من أهمها:
– إعداد مراجعة شاملة للهيكل الراتبي في الدولة على أسس علمية وإقتصادية واضحة.
– توحيد المعايير الخاصة بالأجور والبدلات بين المؤسسات الحكومية المختلفة.
– إيقاف سياسة الإستثناءات التي كسرت الهيكل الوظيفي خلال السنوات الماضية.
– ربط الأجور بمؤشرات التضخم وتكلفة المعيشة لضمان إستقرار القوة الشرائية للموظفين.
– تعزيز الشفافية في إعلان الهياكل الراتبية حتى يشعر العاملون بالعدالة والوضوح.

إن إصلاح الهيكل الراتبي ليس مجرد قضية مالية، بل هو مدخل أساسي لإصلاح الخدمة المدنية وبناء دولة مؤسسات حقيقية، أما الإكتفاء بإعلان زيادات متفرقة دون معالجة جذرية، فلن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيداً، وهنا يبقى السؤال المفتوح: هل تكون الزيادات الأخيرة بداية إصلاح حقيقي يقوده ديوان شؤون الخدمة العامة، أم مجرد حلقة جديدة في مسلسل تشوّه الهيكل الراتبي في السودان؟

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى