محمد عنتر يكتب بناء الدولة أولاً: لماذا لم ينهض السودان رغم ثرواته

*
في كل مرة يدخل السودان في أزمة جديدة، يعود السؤال نفسه إلى الواجهة: هل مشكلتنا اقتصادية؟ أم سياسية؟ أم اجتماعية؟ وتتباين الإجابات بحسب زاوية النظر، إلا أن الحقيقة التي تؤكدها التجربة السودانية، كما تؤيدها تجارب الأمم التي خرجت من الحروب إلى التنمية، هي أن هذه الأزمات ليست منفصلة، وإنما حلقات في سلسلة واحدة، تبدأ من السياسة، وتمر بالاقتصاد، وتنتهي بالمجتمع.
لقد أُرهق السودانيون لعقود بنقاشات تدور حول ارتفاع الأسعار، وانهيار قيمة العملة، واتساع رقعة الفقر، وتدهور الخدمات، وكأن هذه الظواهر هي أصل الأزمة. لكنها في الواقع ليست سوى أعراض لمرض أعمق، يتمثل في ضعف الدولة ومؤسساتها، وغياب مشروع وطني جامع، واستمرار الصراع على السلطة بدلاً من التنافس على بناء الوطن.
من المفارقات أن السودان يُعد من أغنى الدول الإفريقية من حيث الموارد الطبيعية. فهو يمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة، وثروة حيوانية ضخمة، واحتياطيات معتبرة من الذهب والمعادن، وموارد مائية كبيرة، وموقعًا جغرافيًا يربط إفريقيا بالعالم العربي والبحر الأحمر. ومع ذلك، ظل الاقتصاد يعاني من الهشاشة، لأن الثروة وحدها لا تصنع التنمية، وإنما تصنعها المؤسسات الرشيدة والإدارة الكفؤة والاستقرار السياسي.
لقد أثبت التاريخ أن الدول لا تنهض لأنها غنية بالموارد، بل لأنها غنية بالمؤسسات. وهناك دول تفتقر إلى الموارد الطبيعية لكنها أصبحت من أكبر الاقتصادات في العالم بفضل الحوكمة الرشيدة والاستثمار في الإنسان، بينما بقيت دول غنية بالموارد تعاني من الصراعات والفقر بسبب سوء الإدارة وضعف الدولة.
إن الاقتصاد لا يزدهر في بيئة يسودها عدم اليقين. فلا مستثمر يغامر بأمواله في ظل الحرب، ولا قطاع خاص يستطيع التوسع في غياب سيادة القانون، ولا عملة وطنية يمكن أن تستقر في ظل العجز المالي والانقسام المؤسسي. ولذلك فإن معالجة الأزمة الاقتصادية دون إصلاح سياسي ومؤسسي تشبه معالجة أعراض المرض مع ترك أسبابه الحقيقية.
وفي المقابل، فإن الأزمة الاجتماعية التي يعيشها السودان ليست منفصلة عن هذا الواقع. فالنزوح، والهجرة، وتراجع التعليم، وضعف الخدمات الصحية، واتساع الفجوة بين الأقاليم، وتصاعد الانقسامات المجتمعية، كلها نتائج تراكمت بسبب عقود من غياب التنمية المتوازنة وضعف مؤسسات الدولة، وليس بسبب التنوع الاجتماعي أو الثقافي في حد ذاته. فالتنوع، إذا أُحسن إدارته، يمثل مصدر قوة لا سببًا للصراع.
وتقدم التجارب الدولية دروسًا بالغة الأهمية. فقد خرجت رواندا من واحدة من أسوأ المآسي الإنسانية في القرن العشرين، لكنها اختار

