أعمدة الرأي

كلمات سحر علي تكتب …

ثلاث سنوات من الموت البطيء... و بلا نظام صحي

 

ثلاث سنوات (ثلاث سنوات) من الحرب في السودان وكأنها كافية لإنهاء ما تبقى من نظام صحي كان أصلاً على شفا الهاوية لكن الحقيقة الأكثر إيلاما أن هذا النظام لم ينهار اليوم بل كان ينهار منذ عقود والحرب فقط نزعت عنه آخر غطاء.

 

قبل اندلاع القتال، كان المواطن السوداني يتحمل وحده 95% من فاتورة علاجه. خَمسة وتسعون في المائة من جيبه الخاص. دولة بأكملها تدفع مواطنيها نحو المجهود الصحي الفردي وكأن الصحة “سلعة كمالية” وليست حقاأساسيا وهذا الرقم ليس مجرد إحصائية إنه وجه طفل مات لأنه لم يجد عشرة الف لشراء مضاد حيوي وأم باعت حليها لتلد في سرير غير معقم وأب يختار بين كسرفي عظمه وطعام أطفاله

ثم جاءت الحرب وبدلا من أن يكون النظام الصحي شريكا في الصمود أصبح جثة تعلوها الرصاصات

المستشفيات التي بقيت صامدة تحول بعضها إلى ثكنات أو إلى أهداف مباشرة الكوادر الطبية نزحت أو استشهدت أو تركت المهنة تحت وطأة الخوف والفقر. الأدوية والمستلزمات الطبية التي كانت أصلا نادرة ومهربة أصبحت سلعة تتفوق على الذهب ثمنا وبدلا من غرف العناية المركزةصارت العناية في الخيام وفي الممرات الجانبية للمدارس المغلقة ما يجري الآن ليس مجرد “تدهور”بل هو انتحار بطيء لمنظومة لم تولد أصلافكيف لدولة كانت تخصص أقل من 5% من ميزانيتها للصحة (قبل الحرب) أن تواجه أزمة انهيار كامل؟ كيف للمواطن الذي كان يدفع 95% من تكاليف علاجه أن يتحمل اليوم أسعارا تقفز 500% بسبب انقطاع طرق الإمداد؟

 

الواقع أن ثلاث سنوات من الحرب لم تقتل السودانيين بالرصاص فقط بل قتلتهم بالحميات وبالحصبة وبالملاريا وبارتفاع الضغط وحمي الضنك قتلتهم بالولادات المتعسرة والجروح التي كانت قابلة للخياطة وتحولت إلى غرغرينا قتلتهم بغسيل الكلى الذي لم يعد يُجري، وبأدوية الضغط التي اختفت من الصيدليات وبجلسات العلاج الكيماوي التي تحولت إلى حلم ثلاث سنوات وكان يكفي أن نقر أن نظاماصحيا منهار أصلاً قبل الحرب لن يتحمل طلقة واحدة لكننا اخترنا أن نطلق مئات الآلاف منها.

السؤال اليوم ليس “متى سيتعافى النظام الصحي؟” بل “هل بقي شيء ليتعافى؟” والجواب بكل أسف يكتبه يومياً مريض يبيع آخر ما يملك ليشتري أمل زجاجة دواء بينما دولة بأكملها تتفرج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى