
في زمنٍ أصبح فيه السودانيون يتسابقون على أبواب الهيئات الإغاثية، وتوقفت فيه أحلام الملايين عند حدود لقمة العيش ظهر خبر لم يَأخذ حقه من الضوء تشكيل أول نقابة عمالية لبائعات الشاي والاطعمة في السودان قد يراه البعض مجرد تنظيم هامشي لمهنة هامشية، لكن الحقيقة أن هؤلاء النسوة يكتبن بإباريقهن وقدورهن، واحدة من أروع صفحات النضال الصامت في تاريخ البلاد.
هن نساء لم يخترن الشارع طوعا الحرب أخفت أزواجهن أو قتلتهن، الجفاف طرد عوائلهن من القرى، والفقر جعل من الجامعة حلماً بعيداً لهن خرجن إلى الأرصفة حاملات على ظهورهن أطفالاً جائعين وأحلاماً مكدسة. لم يبالين بلهيب الشمس، ولا بكبرياء المجتمع الذي ينظر إلى “بائعة الأكل والشاي ” بازدراء خرجن غير مكترثات لأن الخيار الوحيد أمامهن كان بين الكرامة المفترسة في الشارع أو الموت الهادئ في البيوت
وهنا تكمن المفارقة العظمى هؤلاء النساء، اللواتي لم يُكملن تعليمهن في الغالب، وبَعضهن لا يجيد القراءة والكتابة نجحن حيث فشلت نخبنا المتعلمة فهمن أن الحل ليس في البكاء على الأطلال بل في تنظيم صفوفهن بتكوين النقابة، انتزعن اعترافا صعبا من مجتمع يرفض رؤية المرأة إلا خلف جدران المنزل ومن دولة طالما تعاملت معهن كظاهرة أمنية لا كقطاع اقتصادي حيوي.
ولكن الأروع من كل ذلك هو ما تفعله هؤلاء الأمهات في الخفاء أثناء وقوفهن ساعات طويلة خلف المواقد وأثناء مسح العرق تحت أشعة الشمس الحارقة، كنّ يخططن لمستقبل مختلف لأبنائهن كل قرش يتحصلن عليه لا يذهب فقط لسد جوع اليوم، بل لشراء كتب مدرسية، ودفع أقساط الجامعة، وتأمين حلم يبدو مستحيلاً. هذه الأيادي المكللة بالتعب تمسح دموع طفل لم يفطر، لكنها أيضاً توقّع أوراق نجاح ابنها في كلية الطب.
المفارقة أن المجتمع الذي ينظر إليها باستعلاء يعيش على فضل كفاحها وهن يخرجن “المهندس و الطبيبة” كل ذلك بفضل أبريق قهوة وإرادة حديدية.
نقابة بائعات الشاي والطعام ليست مجرد وثيقة قانونية إنها إعلان أن الكرامة لا تعطى بل تنتزع وأن العمل، أي عمل، إذا صاحبه إخلاص وتضحية، يصبح نبيلا هؤلاء النسوة يخرجن المهندس والطبيب، ليس فقط من أبنائهن، بل من وعيهن الجيد لقد أدركن أن قوتهن تكمن في وحدتهن، وأن حقهن في الحماية الاجتماعية ليس رفاهية بل ضرورة.
إلى كل من يستهين ببائعة شاي أو طعام في شوارع الخرطوم أو أم درمان أو بورتسودان أو أو تذكر أن وداعتها ليست ضعفا، وأن شايك الذي تشربه اليوم قد يكون ثمنه كتابا دراسيا لطفل سيصبح غدا طبيبا يعالجك. هؤلاء النساء هن العمود الفقري الصامت لهذا البلد الذي يرفض أن يموت ونقابتهن ليست مجرد حدث صحفي عابر بل ثورة هادئة تستحق التقدير والدعم فتحية لكل أم باعت ظهرها لشراء كرامة أبنائها أنتنّ المهندسات والطبيبات الحقيقيات لهذا الوطن وانتن ترفع لكم القبعات اجلالا واحتراما
sahar114ali@gmail.com


