كلمات سحر علي تكتب…. الرحمتات … عندما تصير أبواب الغيب منارات للتواصل الإنساني

في آخر خميس من كل رمضان تطل الاسر على عالم الغيب بنافذة من الرحمة لا تشبهها نافذة إنها عادة “الرحمتات” التي تميز بها الشعب السوداني، حيث تتحول البيوت إلى منارات روحية تتصل بقاطنِي القبور بأجمل صلة وهي الدعاء والطعام والذكر ففي هذا اليوم لا يصنع السودانيون طعاماً عادياً بل يطبخون حباً يتجاوز حدود الزمن تطبخ الأمهات “الفتة” و”البليلة” وتذبح الأسر الذبائح، ليس للاحتفاء بالأحياء فحسب بل صدقة تصل إلى الموتى كهدية في رحاب الشهر الكريم ثم يوزع الطعام على الأقارب والجيران والفقراء وعابري السبيل فلا يخرج أحد من هذا المشهد الإيماني إلا وقد نال بركته
ما يميز السودانيين حقاً في هذه العادة هو قدرتهم الفريدة على مزج الحزن الجميل بالفرح الروحاني فالرحمتات المشتقة من كلمة “الرحمة” تحول ذكرى الرحيل إلى طعام يؤكل ودعاء يُردد وقصص تحكى ففي الرحمتات يأكل فيه الصغير والكبير ويشترك فيه الغني والفقير في مشهد يعيد تعريف مفهوم العائلة ليشمل الأحياء والراحلين معا .لكن الجمال الأعمق في الرحمتات أنها تكسر جدار العزلة الذي يفصلنا عن موتانا فبدلاً من أن تبقى علاقتنا بهم حبيسة زيارات المقابر تصير الرحمتات جسراً يومياً يمتد بين عالمينايأكل الجار باسم جاره المتوفى ويدعو الفقير لصاحب الطعام الذي رحل وتتردد أصوات الأطفال وهم يقرعون القدور في الأزقة وكأنهم يوقظون شوارع بأكملها لذكرى من غابوا
في عصر يبدو فيه الموت أكثر حضوراً من أي وقت مضى في السودان تكتسب الرحمتات معنى إضافياً إنها تذكير بأن الموت ليس نهاية الحكاية بل هو باب لرحمة لا تنقطع وأن السودانيين حتى في أحلك الظروف يجدون في تراثهم طريقة لتحويل الفقد إلى عطاء والحزن إلى صلاة جماعية والذكرى إلى طعام يدفئ بطون الأحياء كما يدفئ قلوبهم.
إنها عادة لا تشبهنا فقط بل ترسم ملامح من نريد أن نكون شعب لا ينسى موتاه ولا يقطع حبل الرحمة معهم وفي الوقت نفسه يمدها للأحياء في آن معاً.


