أعمدة الرأي

كلمات

 

سحر علي تكتب…

انتحار الأمل… عندما يصبح الموت لغةً في السودان

في زحمة الأخبار العاجلة التي تتدفق من سودان ما بعد الحرب تختفي تفاصيل صغيرة لكنها تقتلنا بصمت شاب ينهي حياته أمام مؤسسة حكومية فتاة تبتلع سمّ الفار بعد أن خذلها القدر أب يترك أطفاله ويعلق جسده بين الحياة والموت لم تعد هذه المشاهد استثناءً، بل تحولت إلى ظاهرة تستحق أن نقف عندها طويلاً
الحرب في السودان لم تترك لنا شيئاً لا بيتاً آمناً ولا وظيفة نعول عليها ولا مستقبلاً نخطط له في خضم هذا الانهيار الشامل أصبح الانتحار وسيلة للضغط ولغة يتحدث بها اليائس مع العالم الذي أهمله عندما لا يجد المواطن من يستمع إلى صرخته ولا مؤسسة تستجيب لمطلبه ولا أفقاً يريحه من عناء اليومي يتحول جسده إلى رسالة أخيرة ها أنا ذا… إما أن تسمعوني أو تدفنوني
ما يحدث ليس مجرد حالات انتحار فردية، بل هو تحول خطير في ثقافتنا الجمعية. فالمجتمع الذي كان يعتبر الموت عاراً، صار اليوم يمارس التهديد به كوسيلة تفاوض. إنه مؤشر على انهيار النسيج الاجتماعي، وتفكك العائلة، وغیاب الدولة. عندما يصبح الموت ورقة ضغط فهذا يعني أننا فقدنا كل أوراقنا الأخرى
الغريب أن هذه الظاهرة تجد تربة خصبة في ثقافة الإهمال التي نعيشها. مؤسسات الدولة غائبة، والخدمات النفسية معدومة، والحديث عن الصحة النفسية لا يزال وصمة عار. في وقت نحتاج فيه إلى عشرات الآلاف من الأخصائيين النفسيين، نجد أن عددهم لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة في بعض الولايات.

الحل ليس في وعظ الناس أو محاكمتهم أخلاقياً، بل في إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس تحمي الإنسان. نحتاج إلى خطوط ساخنة للدعم النفسي، وإلى حملات توعية تجعل طلب المساعدة سلوكاً طبيعياً، وإلى مؤسسات تستمع وتستجيب قبل فوات الأوان.
لكن قبل كل شيء، نحتاج إلى وقف الحرب التي سرقت منا الأمل. فالانتحار ليس سوى وجه آخر لاغتيال الأحلام. وفي النهاية، عندما ينتحر المواطن، فإن المجتمع بأكمله يدفع الثمن. فهل آن الأوان لنعيد اكتشاف قيمة الحياة قبل أن نصبح جميعاً شهوداً على نهاية لا تليق بنا؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى