أعمدة الرأي

إقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

 

فضل الظهر في زمن الغلاء …حين تتحول الخطى إلى إقتصاد رحمة.

في ظل الإرتفاع المتواصل للأسعار المحروقات التي ارتبطت بالسعر العالمي بعد عملية التحرير ورفع الدعم
وهذا بطبيعة الحال أدي الي إرتفاع في تعريفة المواصلات العامة والخاصة (المشاوير)، إذ لم يعد التنقل مسألة عادية في حياة المواطن، بل أصبح عبئاً يومياً يضغط على ميزانيات الأسر المنهكة ويعيد ترتيب أولوياتها، فالعامل والطالب ورب الأسرة باتوا أمام معادلة صعبة: إما دفع تكلفة متزايدة لا تتناسب مع الدخل الشخصي، أو البحث عن بدائل قاسية في ظاهرها لكنها عميقة في معناها… وعلى رأسها المشي على الأقدام.
غير أن هذا الواقع رغم قسوته يفتح باباً واسعاً لإستدعاء القيم الإسلامية التي تعالج الأزمات بروح التكافل الإجتماعي، لا بمنطق الفردية، فقد أرشد النبي ﷺ إلى قاعدة عظيمة تصلح لكل زمان ومكان، حين قال: “مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ، وَمَن كانَ لَهُ فَضْلٌ مِن زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَن لا زَادَ لَهُ”.
هذا الحديث لا يوجه فقط إلى الإحسان بل يؤسس لنموذج إقتصادي إجتماعي قائم على تقاسم الموارد وتخفيف الأعباء.
اقتصادياً يعكس هذا التوجيه النبوي مفهوماً متقدماً لإدارة الأزمات، حيث يُعاد توزيع الفائض داخل المجتمع بشكل طوعي بإرادة الافراد.
ففي وقت ترتفع فيه تكاليف النقل، يمكن لمن يملك وسيلة مواصلات أن يشاركها مع غيره سواء كانوا زملاء عمل أو جيراناً أو طلاباً في الطريق ذاته، هذا السلوك البسيط يخلق أثراً كبيراً إذ يقلل الضغط على الأفراد، ويحد من الطلب المفرط على وسائل النقل العامة والخاصة، ويسهم بشكل غير مباشر في إستقرار التعرفة.
أما الذين اضطروا علي “المشي”، فإنهم لا يمشون فقط لتوفير المال بل يمارسون شكلاً من أشكال التأفف و الصبر الإقتصادي. فكل خطوة يخطونها تعني تقليل الإنفاق وإعادة توجيه الموارد نحو إحتياجات أكثر إلحاحاً، وهنا يتحول المشي من خيار إضطراري إلى وسيلة واعية لإدارة الدخل المحدود، بل وإلى تعبير عن الكرامة في مواجهة الظروف الصعبة.
لكن المعنى الأعمق يتجلى حين نربط هذا السلوك بالنية وإنما الأعمال بالنيات، فالمشي إلى العمل، أو إلى طلب العلم، أو لقضاء حوائج الأسرة، إذا اقترن بالاحتساب، يصبح عبادة يؤجر عليها الإنسان، وفي المقابل فإن من يملك “فضل ظهر” ولا يمد به يد العون، يفوّت على نفسه باباً عظيماً من أبواب الخير والإحسان، فالمجتمع لا يقوم فقط على القوانين والقرارات الفوقية، بل على القيم التي تحرك سلوك أفراده.
ومن الناحية الإجتماعية، يمكن أن يتحول هذا الهدي النبوي إلى ثقافة عامة تُعيد تشكيل العلاقات بين الناس، فبدلاً من أن يعيش كل فرد أزمته بمفرده، يصبح الجميع شركاء في التخفيف منها، مشاركة المشوار، أو عرض المساعدة، أو حتى التنسيق الجماعي للتنقل، كلها مظاهر تعزز روح التضامن، وتبني مجتمعاً أكثر تماسكاً في وجه التحديات.
ولا يعني هذا أن تُرفع المسؤولية عن الجهات المختصة، فتنظيم قطاع النقل وتوفير وسائل ميسورة كالتراحيل يبقى واجباً أساسياً للدولة، لكن إلى أن تستقر الأوضاع، يظل المجتمع قادراً على إبتكار حلول إنسانية مستمدة من قيمه واعرفه وعاداته وتقاليده ، وعلى رأسها ما جاء به النبي ﷺ من دعوة صريحة إلى إعانة المحتاج، وفي جانب آخر، لا يمكن إغفال الفوائد الصحية والنفسية للمشي، فهو يعزز اللياقة البدنية، ويخفف التوتر، ويمنح الإنسان فرصة للتأمل، وكأن في هذا الخيار البسيط توازناً بين ضرورات الإقتصاد ومصالح الجسد والروح.
ختاماً في زمن ترتفع فيه التكاليف وتضيق فيه السبل، يبقى “فضل الظهر” إختباراً حقيقياً لإنسانيتنا وسودانيتنا، فمن مشى صابراً كُتب له أجر الخطى، ومن أعان غيره بفضل ما يملك، نال شرف التكافل الأجر الجزيل.
وبين هذا وذاك، تتجلى حكمة النبي ﷺ في بناء مجتمع لا يترك فيه القوي الضعيف، ولا يواجه فيه الإنسان أزمته وحيداً، فرب خطوة على الأقدام ترفع صاحبها درجات، ورب موقف عطاء يخفف عن قلبٍ أثقله الطريق … وتلك هي الرحمة التي بها تحيا الأمم.

فتكم بعااافية…نواصل@

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى