اقتصاد الناس بقلم:د.عبدالله عجلون

السودان … اقتصاد ينهض من رماد الحرب
مع دخول السودان العام الرابع منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023م، قد يبدو الحديث عن التفاؤل الاقتصادي نوعاً من المجازفة لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن تحت ركام الأزمات تنمو بذور تعافٍ حقيقي. فالتاريخ الاقتصادي للدول يثبت أن فترات ما بعد النزاعات كثيراً ما تكون لحظات انطلاق جديدة، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الاقتصادية الواضحة.
رغم التحديات الكبيرة التي واجهت الاقتصاد السوداني—من تراجع الإنتاج، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة والإعالة —إلا أن هناك مؤشرات إيجابية بدأت تلوح في الأفق فقد أظهر القطاع الزراعي رغم الظروف، قدرة لافتة على الصمود، خاصة في المناطق الآمنة نسبياً، حيث استمر إنتاج المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة والصمغ العربي. هذه القطاعات تمثل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها لإعادة تحريك عجلة الاقتصاد.
كما أن التحولات في سلوك السودانيين داخل وخارج البلاد لعبت دوراً مهماً في دعم الاقتصاد، فقد ارتفعت تحويلات المغتربين بشكل ملحوظ، مما وفر مصدراً مهماً للنقد الأجنبي وساهم في استقرار نسبي لسعر الصرف في بعض الفترات. إضافة إلى ذلك، نشأت مبادرات شبابية وريادية في مجالات التجارة الرقمية والخدمات، ما يعكس قدرة المجتمع على التكيف والابتكار حتى في أصعب الظروف.
من زاوية أخرى تبرز فرص إعادة الإعمار كأحد أهم محركات النمو المستقبلية. فالحاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية—من طرق وكهرباء ومياه ومؤسسات تعليمية وصحية—ستفتح الباب أمام استثمارات محلية وأجنبية ضخمة، وإذا ما أُديرت هذه العملية بشفافية وكفاءة، يمكن أن تتحول إلى نقطة تحول تاريخية في الاقتصاد السوداني، تخلق فرص عمل واسعة وتعيد توزيع النشاط الاقتصادي بشكل أكثر توازناً.
ولا يمكن إغفال أهمية الموارد الطبيعية الهائلة التي يمتلكها السودان، من أراضٍ زراعية خصبة، ومعادن، وموقع جغرافي استراتيجي، هذه الميزات النسبية التنافسية تظل قائمة رغم الحرب، بل وقد تصبح أكثر جذباً للمستثمرين في مرحلة ما بعد الاستقرار، خاصة إذا تم تطوير بيئة قانونية ومؤسسية محفزة.
التفاؤل هنا ليس إنكاراً للواقع بل قراءة عقلانية لإمكانات كامنة، فالسودان يمتلك ما يكفي من الموارد البشرية والطبيعية ليعيد بناء اقتصاده على أسس أكثر صلابة وعدالة. التحدي الحقيقي يكمن في إدارة المرحلة القادمة برؤية إصلاحية شاملة، تعالج اختلالات الماضي وتؤسس لاقتصاد منتج ومستدام.
في الختام قد يطول الطريق وقد تشتد التحديات، لكن الشعوب التي تصمد في وجه الأزمات تكتب مستقبلاً مختلفاً، والسودان بكل ما يملكه من إرث وإمكانات، قادر على أن يحول هذه المحنة إلى فرصة تاريخية للنهضة، فالرهان اليوم ليس على نهاية الحرب فقط، بل على ما بعدها … حيث يبدأ البناء الحقيقي.
فتكم بعااافية…نواصل@


