أعمدة الرأي

محمد سومى كافى يكتب (ابونسيبه) الكرسي لا يحصّن صاحبه: عن نقد الشخصيات العامة وحدود الذنب

 

في زمنٍ تُضاء فيه الشاشات على الوجوه المؤثرة، وتُضخ فيه الكلمات أكثر مما تُوزن، يبقى سؤال شائك يحوم في الفضاء العام: هل انتقاد الشخصية العامة يُعد ذنبًا عظيمًا؟
الجواب السطحي سيكون “لا”، غير أن السؤال لا يُطرح غالبًا بحثًا عن إجابة مباشرة، بل هربًا من منطقة رمادية يخشى الناس الوقوف فيها؛ منطقة يتداخل فيها الواجب مع الرهبة، والحق مع المجاملة، والنصيحة مع سوء الظن.

النقد في أصله شراكة مجتمعية، لا عداء. وعندما يُوجّه إلى شخصية عامة، فهو لا يُفترض أن يُفهم كوصمة أو إساءة، بل كتذكير بمسؤولية اختار صاحبها الظهور لتحمّلها. في المجتمعات الحية، يُقاس وعي الناس بقدرتهم على ممارسة النقد دون أن تُلصق بهم تهمة الجحود أو التحامل. أما حين يتحول الكرسي إلى درع، والمقام إلى حصانة، فإن الحديث عن الأخطاء يُصبح جريمة، والصمت يُقدّم على أنه عقل.

لكن الحقيقة أن الوصول إلى الشخصية العامة لا يكون دائمًا متاحًا، بل تحيط به متاريس من النوع الناعم، يُنتقى من خلالها من يُسمع ومن يُقصى. تصبح المسافة محكومة بمعايير خفية: القرب لا الصدق، الغرابة لا الصراحة، الولاء لا الكفاءة. في مثل هذه البيئة، يصبح النقد العلني الملاذ الوحيد حين تُغلق الأبواب، فيُفهم ظلمًا على أنه خصومة أو تجاوز، بينما هو في أصله مجرد صوت يبحث عن منفذ.

الكلمة في ميزان العقل لا تُدان بنبرة، بل تُوزن بالنية والمقصد. ليست كل ملاحظة طعنًا، ولا كل انتقاد طمسًا. التذكير لا يُعد ذنبًا، بل قد يكون واجبًا، ما دام في حدود المسؤولية، وبعيدًا عن الشخصنة أو التجريح. الإسلام نفسه فرّق بين الغيبة والنصح، وبين الهدم والإصلاح. وفي سياق الحكم والموقع العام، لا يُلام من أشار إلى الخلل، بل يُلام من رآه وسكت.

إن الخطر لا يكمن في النقد، بل في وأده. فحين يصير الصمت قاعدة، تتحول الأخطاء إلى روتين، ويصبح الخوف من الكلمة أقوى من فعل الخطأ ذاته. ولا يُمكن أن يُبنى مجتمع صحي على تقديس الأشخاص، أو على اعتبار الملاحظات سهامًا والطعنات دروسًا.

الشخصية العامة، بقدر ما تطلب الاحترام، مطالَبة بالاتساع للنقد. فمن صعُب الوصول إليه، عليه أن يتحمّل صوت من يراقبه من بعيد. أما تحصين المقامات عن المساءلة، فلا ينتج عنه إلا اتساع الفجوة بين الناس ومَن يُفترض أنهم في خدمتهم.

ليس كل صمتٍ حكمة، ولا كل صوتٍ فتنة. وبين الاثنين، تبقى الحقيقة: أن الكرسي لا يحصّن صاحبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى