الاتحاد النسائي يناقش حلول فعالة لتمكين النساء في معسكرات النزوح واللجوء
تقرير : فدوى خزرجي
في خضم الأزمات الإنسانية التي خلفتها النزاعات المسلحة، حيث تتعرض النساء في معسكرات النزوح واللجوء لأبشع أشكال العنف والتهديدات المستمرة لحقوقهن، يظل صوتهن خافتًا في عالم مليء بالصمت حول معاناتهن. وفي ظل هذه الظروف القاسية، تأتي الندوة التي يقيمها الاتحاد النسائي السوداني اسفيريا عبر (الزوم) تحت عنوان “الحماية المدنية الفورية للنساء في معسكرات النزوح واللجوء – سبل المواجهة وآليات الحلول”، لتكون بمثابة دعوة مفتوحة للوقوف إلى جانب المرأة في محنتها، والعمل على تطوير حلول فعالة تضمن لها حماية أكبر وتقديرًا أكثر في مجتمع لا يزال يعاني من تسلط الأعراف الجائرة التي تحد من حقوقها. تأتي هذه الندوة في ختام حملة الـ16 يومًا للقضاء على كافة أشكال العنف ضد النساء، وبمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، لتسلط الضوء على معاناة النساء في ظل النزاعات، وتعزز من ضرورة العمل المشترك لمواجهة التحديات المتزايدة التي تواجهها النساء في هذه الظروف الصعبة.
الواقع المؤلم
بدأت الأستاذة مها زين العابدين الندوة بكلمات مؤثرة وحزينة، حيث أشارت إلى الواقع المؤلم الذي تعيشه النساء في معسكرات النزوح واللجوء. وقالت: “تتعرض النساء في هذه الظروف القاسية لمحنٍ لا تحصى، من فقدان الأمن، إلى العنف، إلى التهميش الاجتماعي، مما يجعل حياتهن مليئة بالصعوبات والتحديات اليومية.” وأضافت أن هذه الندوة تهدف إلى تسليط الضوء على الحاجة الملحة إلى الحماية المدنية الفورية للنساء في هذه المعسكرات، وتعزيز سبل المواجهة وآليات الحلول لتوفير بيئة آمنة لهن، بعيدًا عن المخاطر التي تهدد حياتهن. “نحن هنا اليوم لنسعى معًا لإيجاد حلول حقيقية وفعالة لهذا الواقع الأليم”، قالت الأستاذة مها، مؤكدةً أن هذه الندوة تمثل خطوة هامة نحو رفع الوعي والعمل على توفير الحماية اللازمة.
انتهاكات واسعة النطاق :
تطرقت الاختصاصية في مجال الصحة وعضو غرفة طوارئ، ١٥ أبريل رقية أحمد محمد، في حديثها خلال الندوة التي عُقدت الأمس، إلى الانتهاكات المستمرة التي يتعرض لها المدنيون، خاصة النساء في معسكرات النزوح واللجوء. وأكدت على أهمية تطبيق معاهدات واتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها، التي تضمن حماية المدنيين خلال الحروب والنزاعات.
بدأت رقية حديثها بالتأكيد على ضرورة التزام الأطراف المتنازعة بالقوانين الإنسانية الدولية التي تحدد إجراءات حماية المدنيين في حالات الطوارئ والكوارث. وأوضحت أنه من بين هذه الإجراءات إخلاء السكان من المناطق المتأثرة بالصراعات، وتقديم الاحتياجات الإنسانية الأساسية مثل الغذاء، الماء، والرعاية الصحية. كما تطرقت إلى ضرورة توفير الحماية ضد العنف الاجتماعي، بما في ذلك الاحتجاز التعسفي، العنف الجسدي، والاعتداءات الجنسية التي تُستخدم كسلاح في النزاعات المسلحة.
وفيما يخص حماية النساء، أشارت رقية إلى أن النساء في مناطق النزاع يعانين من انتهاكات واسعة، خاصة العنف الجسدي والجنسي، بما في ذلك الاغتصاب الذي يُعتبر سلاحًا يستخدمه أطراف النزاع لإضعاف الخصم. وأضافت أن النساء في المعسكرات يتعرضن للاستغلال بسبب حاجتهن الماسة للمساعدة الإنسانية، مما يزيد من معاناتهن.
كما دعت إلى زيادة الوعي حول قنوات المساعدة المتاحة للنساء المتضررات، مؤكدةً على ضرورة تفعيل آليات حقيقية لتلقي الشكاوى لضمان حقوق الضحايا. وأكدت على أهمية إشراك النساء في جميع التدخلات الإنسانية، بدءًا من بناء المنشآت الأساسية في المعسكرات، مثل دورات المياه، بطريقة توفر لهن الأمان والحماية.
واستعرضت تجربة الاتحاد النسائي في السودان، الذي سلط الضوء على الأوضاع المأساوية للاجئين في يوغندا، حيث يعاني العديد منهم من نقص الأمن، بما في ذلك حالات اختطاف الأطفال، الاعتداءات الجسدية، وصعوبة الحصول على الغذاء.
فيما يتعلق بالحلول الممكنة، ناقشت الأستاذة رقية عدة آليات لتحسين أوضاع اللاجئين والنازحين، مثل تعزيز دخول النساء إلى سوق العمل وتوفير فرص الإنتاج المحلي في المعسكرات. وأكدت على أهمية مكافحة العنف المنزلي من خلال تمكين النساء من الانخراط في مهن صغيرة، وتوفير الدعم النفسي والصحي لهن، مما يسهم في تعزيز استقلاليتهن الاقتصادية والاجتماعية.
وأوضحت رقية أن الانتهاكات في معسكرات النزوح، مثل حالات الاغتصاب، غالبًا ما يتم التكتم عليها من قبل الأسر بسبب الوصمة الاجتماعية، مما يعيق التصدي لها. وأشارت إلى ضرورة الحلول الابتكارية لمواجهة العنف الجنسي المستمر، خاصة في ظل امتناع الأسر عن الحديث حول هذه القضايا.
وفي ختام حديثها، شددت رقية بابكر على ضرورة تكاتف الجهود بين جميع الأطراف المعنية، لضمان بيئة آمنة وشاملة للنساء في معسكرات النزوح واللجوء. ودعت إلى التعاون المستمر بين المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية لضمان حماية المدنيين، وخاصة النساء، في أوقات النزاعات المسلحة.
سلاح ممنهج:
حول “الحماية المدنية الفورية للنساء في معسكرات النزوح واللجوء – سبل المواجهة وآليات الحلول”، تحدثت المتحدثة، عضو اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودان اخصائية الباطنية والأوبئة، وعضو غرفة 15 أبريل الدكتورة أديبة إبراهيم السيد، عن الوضع المأساوي الذي يعيشه النساء في ظل الحرب الحالية في السودان. وقالت: “تمر بلادنا في هذا الوقت بأزمة كارثية، حيث تتعرض النساء للتهجير القسري والنزوح، إضافة إلى المعاناة اليومية من القلق والموت والمرض، والتعرض لجرائم اغتصاب وتحريض ضدهن حتى في أماكن الإيواء. فقد تم تدمير البنية التحتية بالكامل، بما في ذلك قطاعي التعليم والصحة، مما أثر على جميع الخدمات الضرورية. دمرت حوالي 90% من المراكز الصحية، وغادرت أكثر من 57 منظمة دولية العمل في البلاد. كما يعاني الشعب السوداني من المجاعة وارتفاع الأسعار، فضلاً عن انتشار الأمراض، مثل الكوليرا وحمى الضنك، التي أودت بحياة الآلاف”.
وأضافت: “واحدة من أبشع الجرائم التي تمارس ضد النساء هي الاغتصاب، الذي أصبح سلاحاً ممنهجاً يُستخدم ضدهن. وقد تعرضت النساء في مناطق مختلفة، مثل دارفور وفض الاعتصام، لهذه الجرائم على يد المليشيات والجماعات المسلحة. منذ بداية الحرب، تم تسجيل أكثر من 679 حالة اغتصاب، مع تزايد هذه الأرقام يومًا بعد يوم. كما سجلنا 48 حالة إجهاض و12 حالة في مستشفى النو، في حين تعرضت الكثير من النساء للإصابات الخطيرة جراء الاغتصاب، مثل النزيف الحاد والتمزقات في الأنسجة الحساسة. ومع ذلك، يواجه الضحايا صعوبات جمة في الوصول إلى العلاج بسبب وصمة العار المجتمعية، وقلة الدعم الطبي، والتهديدات الأمنية”.
وفيما يتعلق بالحلول، أكدت الدكتورة أديبة على ضرورة العمل الجاد لتوفير الحماية الفورية للنساء في معسكرات النزوح من خلال:
تعزيز التوعية داخل المعسكرات حول حقوق النساء وطرق حماية أنفسهن، توفير الدعم الصحي والغذائي، والعمل على نقل النساء المرضى وكبار السن إلى مرافق طبية آمنة.، توفير بيئة آمنة للنساء والفتيات داخل المعسكرات عبر توفير التعليم والمهن.
وصمة عار:
في مداخلتها خلال الندوة، تحدثت المحامية إيمان حسن عبد الرحيم عن الوضع الراهن للمجتمع السوداني، مشيرة إلى أن من أبرز التحديات التي تعرقل تماسكه وتمنع الخروج من الأزمة، هي كثرة المبادرات المطروحة لحل الأزمة وإعادة الاستقرار، والتي تعاني من الاستفراد بها وعدم التنسيق بين الأطراف المختلفة. وأكدت أن هذا التشتت يزيد من تعقيد الوضع، ويحول دون التوصل إلى حلول فعالة.
وتطرقت إيمان إلى أن العدالة في مناطق سيطرة حكومة الأمر الواقع أو قوات الدعم السريع تبقى في أغلب الأحيان عدالة انتقائية، تتسم بالاعتقالات والمحاكمات العشوائية المبنية على تصورات شخصية، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للأفراد الذين يراقبون الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون من قبل الأطراف المتنازعة. وأوضحت أن أماكن الإيواء ومعسكرات النزوح أصبحت تحت مراقبة أمنية مشددة، مما يزيد من صعوبة عمل هؤلاء الأفراد في رصد الانتهاكات.
وفيما يخص جرائم الاغتصاب، أكدت إيمان حسن أن المجتمع السوداني، بما له من تقاليد محافظة، ينظر إلى الضحية باعتبارها وصمة عار، مما يعمق معاناتها النفسية والجسدية. وأضافت أن الضحية تجد نفسها محاصرة بين آلامها الشخصية ونظرة المجتمع القاسية التي قد تدفعها إلى الانتحار أو تعرضها لمزيد من الاعتداءات. هذا الوضع يجعل حياتها لا تطاق، إذ تبقى عرضة لاستمرار الاعتداءات أو القتل.
وتطرقت المحامية إلى دور الاتحاد النسائي السوداني الذي يحمل تاريخًا نضاليًا طويلًا منذ خمسينيات القرن الماضي، مؤكدًة على أن الاتحاد يتمتع بعلاقات قوية وثوابت داخلية وخارجية، فضلاً عن حضوره المتميز على الساحة الدولية بفضل قيادته في الدفاع عن حقوق المرأة. وأشارت إلى ضرورة استثمار هذا الدور الريادي من خلال الضغط على الأطراف المتحاربة باستخدام الآليات الدولية لحقوق الإنسان، وفرض عقوبات ضد مرتكبي هذه الجرائم.
كما اقترحت إيمان حسن إنشاء آلية ضغط دولية تهدف إلى محاسبة مرتكبي الجرائم، تتضمن إجراءات طبية ونفسية واجتماعية للضحايا. وأوصت بتسليط الضوء على هذه الانتهاكات عبر وسائل الإعلام والفنون، مثل المسرح والتلفزيون، من خلال تعاون مع الأدباء والفنانين والشعراء، لنقل معاناة الضحايا إلى المجتمعين المحلي والدولي. وأكدت أن هذه الطريقة يمكن أن تساهم في تشكيل رأي عام عالمي موحد يدين هذه الجرائم، مما يشكل ضغطًا على أطراف النزاع لإيقافها ومحاسبة مرتكبيها.
رفع الوعي الاجتماعي :
ايضاً شهدت الندوة حضوراً لافتاً من نساء من مختلف المجالات، تم تناول العديد من التحديات التي تواجهها المرأة في المجتمع، وركزت النقاشات على مشكلات وصمة العار التي تلاحقها، خاصة عندما يتعلق الأمر بالضحايا من المغتصبات. أظهرت المشاركات في الندوة، اللواتي تمتعن بوعي عميق بالقضية، حالة من الحزن والقلق على ما تواجهه النساء من ظلم واستبعاد في مجتمعاتهن.
إحدى القضايا الأبرز التي تم التطرق إليها هي وصمة المجتمع التي تلاحق النساء ضحايا العنف الجنسي، حيث تزداد معاناتهن بعد وقوع الجريمة، ويجدن أنفسهن محاصرات بين مجتمع لا يرحم ونظام قانوني يفتقر إلى الدعم الكافي. وتساءلت المشاركات عن الدور الفعلي الذي يمكن أن تلعبه الحكومات والمجتمعات في تقديم الآليات الفعالة للاستجابة لحالات الاغتصاب والاعتداءات الجنسية.
وفي هذا السياق، ناقشت المتداخلات كيف يمكن التصدي للاستمرار المروع لهذه الانتهاكات البشعة التي تُرتكب بحق النساء، وكيفية بناء بيئة قانونية وصحية تدعم الضحايا بدلاً من لومهن. كما تم طرح أسئلة هامة حول كيفية توفير الدعم النفسي والاجتماعي للناجيات من الاغتصاب، وضرورة رفع الوعي المجتمعي للحد من هذه الجرائم.
مقترحات عاجلة:
في إطار البحث عن حلول فعّالة للتحديات التي طرحتها المتداخلات في ظل الظروف الحالية، قدمت الدكتورة أديبة مجموعة من المقترحات العاجلة التي تسعى إلى تخفيف معاناة المتضررين. وأكدت على ضرورة تكثيف جهود التوعية في معسكرات النزوح واللجوء، مع فتح قنوات إعلامية تسهم في نشر الوعي حول القضايا الصحية والاجتماعية الضرورية. كما أشارت إلى أهمية دعم المنظمات النسائية المحلية والدولية، خصوصاً في توفير الرعاية الطبية اللازمة للمحتاجين، مع التركيز على النساء الحوامل.
دعت الدكتورة أديبة إلى التنسيق الفعّال بين المنظمات المحلية والدولية لضمان حلول مستدامة تنهي معاناة الشعب السوداني، مشددة على ضرورة العمل الجماعي لإنهاء الحرب وتحقيق الأهداف التي نادت بها ثورة ديسمبر المجيدة. كما اقترحت إنشاء منظمات أهلية داخل المعسكرات، تعمل جنباً إلى جنب مع المنظمات الدولية والمحلية، بما يسهم في تعزيز التعاون وتنسيق الجهود لتحقيق السلام الدائم، وفي الختام، شددت على أهمية استمرار النضال لتحقيق أهداف ثورة ديسمبر، مؤكدة على ضرورة حماية حقوق النساء والحفاظ على سلامتهن من كافة أشكال العنف والتمييز، لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.




