تقارير

في وطنٍ يحترق… الجوع يكتب الفصل الأكثر قسوة في معاناة الأسرى

 

كوشي – فدوى خزرجي

– أخصائية أمراض باطنة: تزايد الوفيات بين الأسرى والمحبوسين بسبب “متلازمة إعادة التغذية”.
– عضو اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان: ضرورة الالتزام بالبروتوكول العلاجي الخاص بالحالات التي تعاني من نقص غذائي طويل الأمد.
– وزارة الصحة الاتحادية: تطلق موجهات جديدة لمكافحة سوء التغذية وتقديم حلول مستدامة.

“نجوا من الرصاص، فقتلهم الطعام”… بجملة صادمة كهذه يمكن اختزال واحدة من أبشع المآسي الإنسانية التي تكشفت مؤخرًا في السودان، حيث اجتاحت المنصات الرقمية صورٌ مروعة لأسرى مدنيين احتُجزوا في معتقلات قوات الدعم السريع، وخرجوا منها بأجساد أنهكها الجوع حتى تحولت إلى هياكل عظمية.

انتشرت هذه الصور كالنار في الهشيم، تحمل في طياتها وجعاً يفوق ما يظهر للعين: وجوه شاحبة، وأجساد أنهكها الحرمان، في مشاهد ليست مجرد لقطات، بل شهادات دامغة على واقع مأساوي يعيشه المحتجزون في سجونٍ لا ماء فيها يروي، ولا طعام يكفي للبقاء. في وطن تمزقه الحرب وتثقله الفوضى، بات الجوع وسيلة أخرى للقتل إلى جانب الرصاص. فهنا، داخل المعتقلات، يموت الناس بصمت… بلا ضجيج معارك أو دوي قنابل.

وما خرج من صور ومشاهد في الأيام الأخيرة، لا يوثق فقط لحظات المعاناة، بل يكشف فصلًا آخر من الإهمال الممنهج، والتجويع المتعمد، في ظروف تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.

لكن الكارثة لم تتوقف عند حدود المعتقل، فعقب الإفراج عن البعض أو العثور عليهم، نُقلوا إلى المستشفيات في محاولات لإنقاذ ما تبقى من حياتهم. غير أن المفارقة الصادمة، أن كثيرين منهم فارقوا الحياة بعد أيام فقط من بدء تلقي العلاج، ما أثار تساؤلات مقلقة: كيف يموت من نجا من الجوع بعد أن بدأ يتلقى الطعام ؟

متلازمة إعادة التغذية:

أعادت هذه التساؤلات إلى الواجهة الحديث عن “متلازمة إعادة التغذية”، وهي من أخطر المضاعفات التي تهدد حياة من عاشوا فترات طويلة من الحرمان الغذائي. وفي تحذير طبي عاجل، أكدت د. هند البشير، أخصائية أمراض الباطنة، تزايد حالات الوفاة بين الأسرى والمحبوسين جراء هذه المتلازمة، الناتجة عن تقديم الطعام فجأة لأجسام عجزت عن التكيف بعد جوع مزمن.

في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دعت د. هند إلى الانتباه لهذا الخطر المتصاعد، مشيرة إلى أن أجسام الجائعين تعاني من نقص حاد في الأملاح الحيوية كالبوتاسيوم والماغنيسيوم والفوسفات، وأن إدخال السكريات بشكل مفاجئ يؤدي إلى إفراز مفاجئ للأنسولين، ما يسبب خللاً حادًا في توازن هذه الأملاح، قد يؤدي إلى توقف مفاجئ للقلب أو اضطرابات خطيرة في نظمه.

وقالت: “في حالات الجوع المزمن، يعتمد الجسم على العضلات والدهون كمصادر للطاقة، مما يؤدي إلى انخفاض الجلوكوز وتأثير مباشر على الأنسولين”. وأوضحت أن هذا الخلل الحاد في الأملاح قد يؤدي إلى مضاعفات قاتلة.

وأكدت ضرورة التعامل بحذر بالغ مع حالات التغذية بعد فترات الجوع الطويل، واتباع نظام تغذية تدريجي ومتوازن من حيث السعرات الحرارية، مع تعويض منتظم للأملاح الحيوية، وإجراء فحوصات دقيقة قبل وبعد كل وجبة.

وشددت على أهمية توفير رعاية طبية مركزة، وتمويل كافٍ لتأمين الغذاء والعلاج، كخط دفاع أول ضد خطر هذه المتلازمة القاتلة.

تجويع ممنهج… ووجع موثّق

في مشاهد مؤلمة بثها الجيش السوداني من مناطق استعاد السيطرة عليها، ظهرت وجوه من أفرج عنهم كأنهم خرجوا من باطن المجاعة. لم تكن الصور مجرد مشاهد عابرة، بل توثيقًا حيًّا لما يمكن وصفه بجريمة ضد الإنسانية، مدنيون احتُجزوا لأشهر في معتقلات قوات الدعم السريع، وسط ظروف غير إنسانية، حُرموا من الطعام والرعاية الصحية حتى ذبلت أجسادهم وتلاشت أصواتهم.
لكن المعاناة لم تنتهِ بخروجهم، إذ بدأت رحلة ألم جديدة بمجرد نقلهم إلى المستشفيات. كانت أجسادهم المنهكة غير قادرة على تحمّل حتى أول جرعة طعام، وسرعان ما بدأت الوفيات في الازدياد. ليطفو سؤال موجع: كيف تتحوّل التغذية إلى خطر مميت؟

بروتوكول علاجي دقيق… لكنه غائب

تجيب عن هذا السؤال الطبيبة أديبة إبراهيم السيد، عضو اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء السودان – فرعية خصوصي أم درمان، قائلة إن “متلازمة إعادة التغذية” تصيب من عانوا من جوع مزمن، حيث تؤدي التغذية حتى بكميات بسيطة إلى انهيار الجسم نتيجة اضطراب شديد في المعادن الأساسية، وحذّرت من مضاعفات مميتة لما يُعرف بـ”متلازمة إعادة التغذية”، مشيرة إلى أنها تصيب من عانوا من جوع مزمن، حيث تؤدي التغذية—even بكميات بسيطة—إلى انهيار مفاجئ في وظائف الجسم، نتيجة اضطراب حاد في المعادن الأساسية كالفوسفور والبوتاسيوم والماغنيسيوم.

وفي رسالة موجهة للأطباء، شددت د. أديبة على ضرورة الالتزام ببروتوكول علاجي دقيق، وُضع خصيصاً لحالات الأسرى والمحبوسين الذين تعرضوا لحرمان غذائي لفترات طويلة أو تغذية غير متوازنة. وقالت إن “هذا البروتوكول لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة بعد أن شهدنا حالات وفاة كان يمكن تفاديها بالتعامل الطبي السليم.”

وفي حديثها لـ”كوشي”، أوضحت أن البروتوكول يشكل خطوة حاسمة لحماية الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسهم الأسرى وكبار السن، من تداعيات سوء التغذية، في ظل الأوضاع الصحية المنهكة التي تعاني منها البلاد.

وأكدت أن البروتوكول يتضمن إجراءات علاجية دقيقة، تبدأ بالتشخيص المخبري والتغذية التدريجية الخاضعة للرقابة، مع تعويض دوري للأملاح الحيوية. كما دعت إلى تدريب الكوادر الطبية في جميع ولايات السودان على تطبيق هذه المعايير، لضمان رعاية آمنة وفعّالة.

وأضافت: “التزام الأطباء بهذه الإرشادات سيسهم في تقليل معدلات الوفاة الناتجة عن مضاعفات التغذية الخاطئة، وسيساعد في رفع كفاءة النظام الصحي الذي يواجه تحديات متصاعدة بفعل الحرب.”

وختمت بالقول إن “رعاية كبار السن والمصابين بسوء تغذية لا تكتمل دون موجهات واضحة وتغذية مصممة بعناية”، مشيرة إلى أن وزارة الصحة الاتحادية بدأت بالفعل إعداد حزم غذائية خاصة لضمان تقديم الرعاية الملائمة لهذه الفئات في حالات الطوارئ.

توجيهات جديدة من وزارة الصحة

في خطوة لدعم الاستجابة الطبية وتندرج هذه الجهود ضمن استراتيجية شاملة تسعى لبناء نظام صحي أكثر عدالة ومرونة، يحمي الفئات الأضعف في المجتمع، في ظل التحديات المتصاعدة التي تواجه البلاد إنسانيًا وصحيًا.، أعلنت وزارة الصحة الاتحادية عن موجهات جديدة للتعامل مع حالات سوء التغذية، خصوصاً بين كبار السن والمحبوسين. وتضمنت الإجراءات استخدام تركيبات غذائية علاجية مثل F-75 وF-100 ضمن مراحل علاجية متسلسلة.

وحسب تقرير رسمي حصلت عليه “كوشي”، فإن هذه الموجهات تبدأ بمرحلة تثبيت الحالة الصحية خلال الأسبوع الأول، تليها مرحلة إعادة التأهيل الغذائي التي تمتد من أسبوعين إلى ستة أسابيع.

وتركز الموجهات على الفئات الأشد هشاشة، وتدعو إلى تنويع الأغذية المقدمة، وتكييفها لتلائم القدرة الجسدية والاحتياجات الصحية. كما تشمل خطة تقييم ومتابعة دقيقة عبر مؤشرات مثل محيط العضد (MUAC) ومؤشر كتلة الجسم (BMI).

وبالنسبة لحالات سوء التغذية الحاد، شددت الوزارة على ضرورة الالتزام ببروتوكول علاجي يبدأ بتركيبة F-75 منخفضة البروتين والدهون، يتبعها F-100 لمدة تصل إلى ستة أسابيع، مع تقديم الدعم النفسي والاجتماعي اللازم، ومواجهة المضاعفات الشائعة مثل الجفاف ونقص السكر.

وأكدت وزارة الصحة أن هذه التوجيهات لا تقتصر على حالات الطوارئ، بل تشمل أيضًا رعاية كبار السن في المنازل، من خلال حملات توعوية وتوفير الأغذية العلاجية الجاهزة، مع متابعة دورية تهدف إلى تحسين الصحة العامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى