المدنيون الفارون من الحرب في السودان إلى أوغندا يدلون بشهادات مروعة لبعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق
بورتسودان كوشى نيوز
تقرير : فدوى خزرجي
في شهادات مفجعة، كشف العشرات من المدنيين السودانيين الذين فروا من أتون الحرب إلى أوغندا، عن مآسيهم التي لا حصر لها، وسط النزاع المستمر الذي يعصف ببلادهم. هؤلاء اللاجئون التقاهم أعضاء بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق، التي زارت معسكرات اللاجئين في أوغندا خلال الفترة من 1 إلى 18 ديسمبر 2024، بهدف تسليط الضوء على آثار الحرب المستمرة على المدنيين.
وقد أبدى أعضاء البعثة، الذين استمعوا لآلاف القصص المؤلمة من رجال ونساء وأطفال من مختلف المناطق السودانية، قلقًا عميقًا إزاء تصاعد المعاناة الإنسانية. وقال محمد شاندي عثمان، رئيس البعثة: “بدلاً من أن يكونوا جزءًا من عملية إعادة بناء وطنهم، يجد ملايين اللاجئين السودانيين أنفسهم محاصرين في أوضاع مروعة في المخيمات والمستوطنات في الدول المجاورة، في انتظار العودة إلى ديارهم.”
وتستمر الحرب في إلحاق الأذى بالمدنيين، كما يتضح من شهادات اللاجئين في معسكر كيرياندونجو في أوغندا، حيث يقيم أكثر من 50 ألف لاجئ، معظمهم من السودان وجنوب السودان. وقد التقى الخبراء بلاجئين من الخرطوم، النيل الأزرق، دارفور، كردفان وغيرها من الولايات السودانية، الذين شرحوا كيف تحولت حياتهم إلى جحيم بسبب النزاع المستمر، بما في ذلك الحصار المفروض على مدينة الفاشر منذ أبريل 2024، والذي أسفر عن مقتل وجرح العديد من الأبرياء وتدمير البنية التحتية المدنية.
من أبرز ما ورد في الشهادات، تزايد حالات العنف الجنسي والاغتصاب، حيث أُجبرت العديد من النساء على مغادرة منازلهن بسبب القصف والغارات الجوية التي استهدفت الأسواق، ما أسفر عن مقتل وجرح المئات. كما تحدثت بعض النساء عن تعرضهن للتحرش الجنسي على يد أفراد من قوات الدعم السريع، الذين كانوا يتحدثون بلغات أجنبية.
وفي هذا السياق، أكدت منى رشماوي، عضو بعثة تقصي الحقائق، على ضرورة تضمين النساء في أي مفاوضات مستقبلية، مشيرة إلى أن النساء والأطفال هم أبرز ضحايا هذا الصراع، إلا أنهم أيضًا يمتلكون القدرة على إحداث تغيير حقيقي في مستقبل السودان.
تشير الإحصاءات المقلقة إلى أن حوالي 26 مليون سوداني بحاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية، بينما يعاني نحو ثلاثة ملايين شخص من مجاعة حادة. كما بلغ عدد النازحين الداخليين أكثر من 11 مليونًا، بينما فر نحو ثلاثة ملايين آخرين إلى دول الجوار، بما في ذلك 64 ألفًا إلى أوغندا.
وأضاف عثمان قائلاً: “الأرقام المتعلقة بالجوع والنزوح تؤكد على ضرورة التحقيق في الأسباب الجذرية لهذا العنف، وتعزيز المساءلة عن الجرائم الفظيعة لضمان إنهاء دورة العنف.”
شهادات اللاجئين استمرت في تقديم تفاصيل مروعة حول رحلاتهم الشاقة عبر نقاط التفتيش، حيث تم احتجازهم واستجوابهم واتهامهم بالتعاون مع الفصائل المعارضة. كما تعرض الكثير منهم للسرقة والتجريد من ممتلكاتهم، ما جعلهم يضطرون للتسول في المساجد وطلب المساعدة من الجمعيات الخيرية.
وفيما يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة، تحدث اللاجئون عن التحديات الجسيمة التي واجهوها أثناء النزوح، حيث لم يتوفر لهم أي دعم أو خدمات ملائمة، خاصة أولئك الذين يعانون من إعاقات حركية أو سمعية.
رغم هذه المعاناة، أشاد الخبراء بالسلطات الأوغندية لاستضافتها اللاجئين وتقديم المساعدات الإنسانية لهم. وأثنوا على حرية التعبير والتنقل التي يتمتع بها اللاجئون داخل أوغندا، رغم أن العديد منهم يواجهون صعوبة في الاستفادة من هذه الفرص بسبب الحواجز الاقتصادية واللغوية ونقص الوثائق الثبوتية.
من جانبها، دعت الخبيرة جوي نجوزي إيزيلو المجتمع الدولي إلى دعم الدول المضيفة مثل أوغندا، لضمان توفير الخدمات الأساسية للاجئين مثل الغذاء والرعاية الصحية والتعليم، وذلك لضمان حياة كريمة.
كما شملت البعثة زيارة إلى أديس أبابا، حيث شاركت في حوار مع الاتحاد الإفريقي ووكالات الأمم المتحدة بهدف تعزيز السلام وتحقيق العدالة في السودان.
وفي تصريح خاص لموقع (كوشي نيوز)، أكد خبير العدالة الانتقالية، المحامي الكاشف حسين عباس، أن التاريخ لن ينسى أبدًا أولئك الذين ارتكبوا جرائم ضد المدنيين في قراهم، حيث يتم استباحة دم الأبرياء في أنحاء السودان بلا رحمة. وأضاف أن معاناة أهل الخرطوم، الجزيرة، دارفور، النيل الأزرق، النيل الأبيض، وجنوب وشمال كردفان تتجسد اليوم في مشاهد من العنف والتدمير، ما يعكس واقعًا قاسيًا وغير مقبول، واقع سطرته ثورة عظيمة، حيث وقف العالم يشهد لها، ثورة دفع فيها الشباب أرواحهم من أجل حلم بسودان موحد يرتكز على العدالة والمساواة في الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية.
وأوضح عباس أن هذه الثورة كانت واضحة في رفضها التام للتمييز، وأصرت على عدم الإفلات من العقاب. كانت تهدف إلى بناء سودان مزدهر قائم على الحرية والسلام والعدالة، مبادئ يجب أن نتمسك بها في كل مرحلة قادمة.
لكن، كما أضاف، يبدو أن العالم قد تخلى عنا، وتركتنا الأمم محاصرين في وطن ينزف، حيث يموت الأبرياء وتُشرد النساء والأطفال في رحلة نزوح لا تنتهي. أطفال بلا مأوى يحميهم من برد الشتاء، ونساء يعانين الجوع، في وقت تُدمر فيه القرى وتُحرق الأسواق ودور العبادة، لتزداد معاناتهم يومًا بعد يوم.
وفي نداء عاجل، قال عباس: “أوقفوا هذا العبث! لن يبقى السودان قويًا طالما أن النفط والذهب يُنهب، بينما تُدمَّر موارده وتُنفذ مشاريع السدود بلا توقف.”
واختتم عباس بدعوة مفتوحة للجميع: “لننضم معًا إلى حملة السلام في مواجهة الحرب، والعدالة ضد الظلم، وننادي بالعدالة الانتقالية التي تضمن دمج وتسريح جميع المقاتلين، بغض النظر عن عرقهم أو لونهم أو إقليمهم. لنصنع معًا سودانًا جديدًا يسوده الأمن والسلام والعدالة للجميع.”


