د.عبدالله عجلون يكتب …..

*وهم النقاء العرقي…حين يُعاد تزوير تاريخ السودان على منصات الوسائط.*
أصدقائي الأعزاء والمتابعين الفضلاء لقد
اعتدتم علي قراءة مقالي اليوم بعنوان إقتصاد الناس، و لكن اليوم سوف اكتب في قضية خطيرة رائجة في هذه الأيام الأخيرة و لقد انتشرت عبر الوسائط المتعددة مقاطع فيديو تُروّج لخطاب خطير ومُقلق، يتمثل في ادعاء بعض المجموعات القبلية “النقاء العرقي”، وكأنها كيانات منفصلة عن بقية مكونات المجتمع السوداني، هذه الظاهرة ليست مجرد انحراف فكري عابر، بل تعكس أزمة عميقة في فهم التاريخ والهوية، وتكشف عن محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي على أسس ضيقة تهدد وحدة البلاد.
السودان، عبر تاريخه الطويل، لم يكن يوماً أرضاً لنقاء عرقي أو إنعزال ثقافي، بل هو، في جوهره فضاء تلاقٍ وتمازج حضاري فريد، فمنذ حضارات كوش ونبتة، مروراً بممالك علوة، وصولًا إلى دول مثل السلطنة الزرقاء وسلطنة دارفور ومملكة تقلي الإسلامية والمسبعات، ظل السودان نموذجًا حياً للتداخل العرقي والثقافي والديني.
هذه الكيانات التاريخية لم تُبنَ على أساس “الدم النقي”، بل على التفاعل والإنفتاح. فحضارة كوش نفسها نشأت من تلاقح إفريقي- نوبي مع تأثيرات مصرية بينما قامت السلطنة الزرقاء على تحالفات بين مجموعات أفريقية عربية، كذلك لم تكن سلطنة الفور أو مملكة تقلي كيانات مغلقة بل احتضنت تنوعاً إثنياً واسعاً ساهم في إستقرارها وإستمرارها.
إن الادعاء بالنقاء العرقي في هذا السياق يبدو كأنه إنكار للتاريخ نفسه، فالهويات في السودان ليست كيانات جامدة، بل هي نتاج قرون من الهجرة، والتزاوج، والتفاعل الإقتصادي و الإجتماعي. وحتى على المستوى الأنثروبولوجي، يصعب إثبات وجود “نقاء عرقي” في أي مجتمع بشري فكيف بالسودان الذي يقع في ملتقى طرق الهجرات بين أفريقيا والعالم العربي؟
المشكلة الحقيقية في هذه الخطابات أنها لا تقف عند حدود الجدل الفكري بل تتجاوز ذلك لتؤسس لفرز إجتماعي خطير حين يعتقد فرد أو جماعة أنهم “أنقى” من غيرهم، فإن ذلك يفتح الباب أمام التمييز، وربما الصراع.
والتاريخ القريب والبعيد مليء بأمثلة لدول إنهارت بسبب مثل هذه الأفكار الإقصائية.
كما أن إنتشار هذه الفيديوهات عبر وسائل التواصل من بعض جهلاء الإدارة الأهلية و الناشطين الذين لا يعرفون التأريخ يعكس خللاً في الوعي الرقمي، فبدل أن تكون هذه المنصات وسيلة لنشر المعرفة وتعزيز التماسك الإجتماعي، أصبحت في بعض الأحيان منابر لترويج الجهل و إعادة إنتاج الصور النمطية.
وهنا تبرز مسؤولية النخب الفكرية والإعلامية في التصدي لهذا الخطاب البغيض، ليس بالهجوم بل بالتفكيك العلمي المنطفي و التاريخي التسلسلي.
من المهم أيضا الإشارة إلى أن التفاخر بالإنتماء القبلي في حد ذاته ليس مشكلة، بل قد يكون مصدر إعتزاز مشروع بالتراث والثقافة، لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول هذا الإعتزاز إلى ادعاء تفوق أو نقاء، وعندما يُستخدم كأداة لإقصاء الآخرين أو التقليل من شأنهم والتكنيل بهم.
إن السودان اليوم في ظل التحديات السياسية والإقتصادية التي يواجهها، لا يحتمل مثل هذه الإنقسامات بل هو في أمسّ الحاجة إلى خطاب جامع يعترف بالتنوع كقوة، لا كتهديد. فالتاريخ الذي أنجب كوش ونبتة وعلوة، وبنى السلطنة الزرقاء وسلطنة الفور و تقلي الإسلامية والمسبعات، هو نفسه الذي يؤكد أن الوحدة في السودان لم تكن يوماً قائمة على التشابه بل على التنوع.
في الختام إن إدعاء النقاء العرقي ليس فقط وهماً تاريخياً بل خطراً اجتماعياً يهدد الحاضر والمستقبل، والسودان الذي تشكل عبر قرون من التداخل الحضاري، لا يمكن إختزاله في هوية أو قبيلة أو نسب واحد، فالطريق إلى الإستقرار لا يمر عبر العودة إلى أوهام التفوق بل عبر الإعتراف بالحقيقة، نحن شعبٌ صنعته التعددية ولن ينهض إلا بها.
فتكم بعااافية…نواصل@


