شئ للوطن

م.صلاح غريبة … يكتب
جريمة الأبيض: وصمة عار على جبين الإنسانية ونداء عاجل للعدالة
في حلقة جديدة من مسلسل العنف المروع الذي يمزق السودان، تأتينا الأنباء المروعة من الأبيض، لتكشف عن مستوى غير مسبوق من التجرد الأخلاقي، وتضع وصمة عار جديدة على جبين الإنسانية. ففي العاشر من مايو 2025، استيقظت مدينة الأبيض على فاجعة لا تغتفر، تمثلت في استهداف سجن المدينة ومستشفاها بطائرات مسيّرة، في هجوم وصفته الحكومة السودانية، على لسان وزير ثقافتها وإعلامها، الأستاذ خالد الإعيسر، بـ “جريمة حرب مكتملة الأركان”.
الأرقام تتحدث بمرارة: 20 شهيداً و50 جريحاً، جميعهم من المدنيين الأبرياء، منهم نزلاء سجن ومصابون يتلقون العلاج في المستشفى. هذه ليست مجرد أرقام، بل هي أرواح أزهقت ظلماً، وأجساد مزقتها يد الغدر، ومستقبل سُلب من أناس لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا أنفسهم في مرمى صراع لا يرحم. استهداف المنشآت المدنية، كالسجون التي تؤوي محتجزين عزل، والمستشفيات التي تعد ملاذاً آمناً للمرضى والجرحى، هو انتهاك صارخ لكل الأعراف والمواثيق الدولية، وبمثابة تجاوز لكل الخطوط الحمراء في النزاعات المسلحة. إنه دليل دامغ على أن مرتكبي هذه الجريمة لا يمتلكون أدنى حس أخلاقي أو إنساني.
إن اتهام ميليشيا أسرة دقلو الإجرامية، المدعومة من حكومة أبوظبي، بالوقوف وراء هذا الهجوم يضيف بعداً خطيراً لهذه الجريمة. فدعم أطراف خارجية لجماعات مسلحة تنتهك حقوق الإنسان وتستهدف المدنيين، لا يساهم فقط في تأجيج الصراع وتوسيع دائرته، بل يجعل هذه الأطراف شريكة في الجرائم المرتكبة. هذا الدعم يمنح الغطاء والتمويل اللازم لمواصلة الأعمال الوحشية، ويضع عقبات كأداء أمام أي حلول سياسية أو جهود إنسانية. إن استمرار هذا النمط من التدخل يدمر نسيج المجتمع السوداني، ويزيد من معاناة شعبه، ويحول البلد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن ما حدث في الأبيض ليس مجرد حدث عابر في سجل الصراع السوداني؛ بل هو نقطة تحول خطيرة تؤكد على الحاجة الملحة للتحرك الدولي العاجل. إن الصمت عن مثل هذه الفظائع هو تواطؤ غير مباشر، وإغفال للمسؤولية الأخلاقية والقانونية التي تقع على عاتق المجتمع الدولي. يجب أن يكون هناك إدانة واضحة وغير مشروطة لهذه الأعمال الإرهابية، ويجب أن يتم تتبع ومحاسبة كل من تورط في هذه الجريمة، سواء كانوا من المخططين أو المنفذين أو الداعمين.
إننا ندين هذا العمل الإرهابي بأشد العبارات، ونؤكد على ضرورة تقديم المتورطين للعدالة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي. كما نطالب المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، ومجلس الأمن الدولي، والمجتمع الإقليمي والدولي، بالتحرك الفوري لوقف هذه الانتهاكات المتصاعدة، وحماية المدنيين، وفتح تحقيق شفاف ومحايد في هذه الجريمة النكراء.
في ظل هذا الظلام الدامس، لا يزال الأمل في صحوة الضمير الإنساني قائماً. رحم الله شهداء الأبيض، وألهم ذويهم الصبر والسلوان، وشفى الجرحى وعافاهم. وليكن هذا الحادث المؤلم دافعاً قوياً للمجتمع الدولي لإدراك حجم المأساة في السودان، ولتغليب صوت العقل والعدالة على صوت الرصاص والدمار. إن سلام السودان هو مسؤولية الجميع، ويجب أن نعمل معاً لوضع حد لهذه الحلقة المفرغة من العنف، ولتحقيق العدالة التي يستحقها شعب السودان الصامد.
Ghariba2013@gmail.com

