حوارات

أديبة إبراهيم السيد، أخصائية الباطنية والأوبئة وعضو فرعية خصوصي أم درمان باللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان لـ”كوشي”

 

*الوضع الصحي في شمال ووسط دارفور، إلى جانب جنوب كردفان، يُشبه المقبرة الجماعية.

*12 ألف حامل، و6 آلاف مرضعة، و21 ألف طفل بلا غذاء أو لقاحات في ولاية جنوب كردفان.

*وفاة 3 آلاف طفل حديثي الولادة.

*1567 وفاة بالكوليرا في حصيلة مفزعة تكشف عمق الكارثة.

*في الحصاحيصا: حمى قاتلة تفتك بالمصاب خلال يوم أو يومين فقط.

*في ولايتي الجزيرة والخرطوم انتشار واسع لحمى الضنك والملاريا بمختلف أنواعها.

*456 إصابة مؤكدة بحمى الشكنغونيا في ولاية الخرطوم بينها 101 وفاة.

بين هدير المدافع وأنين الجوعى، يرزح ملايين السودانيين تحت كارثة صحية وإنسانية غير مسبوقة. المستشفيات أُغلقت أبوابها، والأدوية المنقذة للحياة اختفت من رفوف الصيدليات، فيما الأوبئة تفترس الأطفال والنساء وكبار السن بلا رحمة. في شمال ووسط دارفور، إلى جانب جنوب كردفان، حيث يطبق الحصار على كادوقلي والدلنج ومعظم القرى والمدن، يواجه السكان مجاعة طاحنة أفرزت سوء تغذية مريعاً حوّل حياة الناس إلى صراع يومي من أجل البقاء.

 

الوضع هناك أشبه بمقبرة مفتوحة: مواطنون بلا غذاء، بلا دواء، وبلا كوادر طبية قادرة على تقديم العون. حتى أبسط المستلزمات العلاجية كالمحاليل الوريدية والأدوية الأساسية باتت معدومة، فيما تتفاقم المعاناة في أقسام النساء والتوليد تحديداً. الحوامل والمرضعات والأطفال حديثو الولادة يواجهون المصير الأكثر قسوة في ظل انعدام الرعاية، ما أدى إلى موجات متتالية من الوفيات، بعضها بسبب الجوع وأخرى نتيجة أمراض لم تجد من يوقفها.

 

وفي الخرطوم والجزيرة يتكرر المشهد نفسه: نظام صحي مشلول ومواطنون عالقون بين المرض والموت. الكارثة لم تعد أزمة عابرة، بل مأساة ممتدة تُكتب فصولها يومياً بدموع الأمهات وأنين الأطفال.

 

في هذا السياق القاتم، أجرينا حواراً مع الدكتورة أديبة إبراهيم السيد، عضو اللجنة التمهيدية لنقابة أطباء السودان، أخصائية الباطنية والأوبئة، التي كشفت تفاصيل مأساوية تُحاكي واقعاً أقرب إلى مقبرة جماعية، حيث يُختصر المشهد في جملة واحدة: السودان يواجه انهياراً صحياً وإنسانياً غير مسبوق.

 

حاورتها: فدوى خزرجي

 

بدايةً، كيف تصفون الوضع الصحي العام الآن في السودان؟

 

الوضع متفاقم وكارثي بمعنى الكلمة. جنوب كردفان — خصوصاً كادوقلي والدلنج — تقف على حافة ما يُشبه المقبرة الجماعية. نحو 350 ألف مواطن يعانون المجاعة وسوء التغذية، منهم أطفال ونساء حوامل وكبار سن. ضعف المناعة جعلهم فريسة سهلة للأوبئة، وأعداد الوفيات تزداد يومياً.

 

كيف تصفون الوضع الصحي الراهن في ولاية الخرطوم؟

 

الوضع الصحي متفاقم إلى درجة كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. العاصمة الخرطوم تشهد انتشاراً واسعاً لحمى الضنك والملاريا بمختلف أنواعها، حيث سُجلت في شهري يولو أغسطس نحو (890) إصابة مؤكدة بحمى الضنك توفي منها (187) شخصاً، بينهم أطفال وكبار سن ونساء حوامل.

وظهرت بوضوح موجة جديدة من حمى الشكنغونيا، حيث بلغت الإصابات المؤكدة حتى الآن (456) حالة مع (101) وفاة جراء المضاعفات.، لكن المأساة تتعمق أكثر حين تجد أسرة كاملة داخل منزل واحد مصابة بالمرض، وسط بيئة موبوءة بالبعوض والذباب ليل نهار، مع انقطاع متكرر للتيار الكهربائي وانعدام مياه الشرب الصالحة، بينما تغطي البرك والمياه الراكدة معظم الشوارع.

 

الأوضاع المعيشية بدورها فاقمت الأزمة؛ فالمجاعة وارتفاع الأسعار وانعدام القدرة المادية أضعفت مناعة الناس، ما جعلهم أكثر عرضة للأمراض. رصدنا كذلك (44) حالة تيفوئيد و(65) حالة ديسنتاريا أمِيبية، إلى جانب العديد من الإصابات الأخرى التي لم تُحصَ بعد، في ظل غياب الأدوية والمحاليل الوريدية ونقص حاد في المعامل والأجهزة المخصصة لفحص حمى الضنك.

 

هل الوضع الصحي في بقية الولايات مشابه لما يحدث في ولاية الخرطوم؟

 

نعم، فالأرقام القادمة من مختلف الولايات تعكس صورة أكثر قتامة، إذ تواصل الأوبئة انتشارها بوتيرة متسارعة منذ يوليو وأغسطس وحتى الآن. ففي شمال ووسط دارفور، تفشت الكوليرا داخل معسكرات النازحين في جبل مرة والقرى المحيطة، وسُجلت نحو (500) إصابة مؤكدة. أما في ولاية الجزيرة، وتحديداً بمدينة ود مدني، فقد تم رصد (688) إصابة بحمى الضنك و(127) حالة وفاة، إلى جانب مئات الحالات المرتبطة بالملاريا والتهابات أخرى. كما جرى تسجيل (63) حالة إصابة بالكبد الوبائي.

وإلى ذلك، بدأت الولاية الشمالية تشهد تزايداً ملحوظاً في الإصابات بحمى الضنك، حيث تستقبل مستشفياتها يومياً ما بين (70) إلى (90) مريضاً منذ مطلع أغسطس وحتى الآن، في مؤشر على انتشار المرض بكثافة في المنطقة.

 

ما أبرز الأمراض التي رُصدت نتيجة سوء التغذية وانهيار النظام الصحي؟

 

ضعف المناعة فتح الباب أمام تفشّي أعداد كبيرة من الأمراض. الكوليرا هي الأخطر حالياً: سُجلت قرابة 5000 إصابة في ولاية جنوب كردفان وحدها، منها (942) حالة في كادوقلي وأكثر من (1027) حالة في الدلنج، مع وفيات بلغت نحو (1567) حالة — وربما أكثر.

إلى جانب ذلك، هناك انتشار لحمى الضنك (أكثر من 829 حالة مؤكدة)، والتيفوئيد، والملاريا بمختلف أنواعها. رُصدت كذلك حوالي (250) حالة سل، فيما يعاني الأطفال أمراضاً خطيرة مثل الحصبة، وجدري الماء (البرجم)، والسعال الديكي، وشلل الأطفال، نتيجة غياب التطعيمات والرعاية الأساسية.

كيف انعكس الحصار على القطاع الصحي؟

الحصار في وسط دارفور وجنوب كردفان — خاصة الدلنج وكادوقلي — عمّق الكارثة. الممرات الآمنة شبه معدومة، والمستشفيات مغلقة أو تعمل بشكل جزئي، ما يترك المرضى بلا دواء ولا رعاية. نقص المحاليل الوريدية والأدوية المنقذة للحياة واضح، وهناك نقص حاد في الكوادر الطبية.

الأقسام الأكثر هشاشة هي أقسام النساء والتوليد. ففي ولاية جنوب كردفان، لدينا إحصائيات تفيد بوجود 12 ألف حامل، و6 آلاف مرضعة، و21 ألف طفل بلا غذاء أو لقاحات، وفقدنا من حديثي الولادة نحو 3 آلاف نفس صغيرة لم تُمنح فرصة البقاء نتيجة هذا الانهيار.

ترددت أنباء عن “حمى مجهولة” في ولاية الجزيرة. ما التفاصيل؟

 

بالفعل، ظهرت في منطقة أبو عشر بمحلية الحصاحيصا حمى سريعة قاتلة؛ تُسجَّل خمس إلى ست وفيات يومياً أحياناً. المصابون يفقدون حياتهم خلال يوم أو يومين، حسب ما ذكرته الفرق المحلية. وهناك مخاوف من تلوث مصادر المياه بسبب وجود جثث لم تُدفن طيلة أسابيع بعد القتال. حتى الآن لم تُحدد الفرق العلمية طبيعة هذه الحمى بشكل نهائي، ما يزيد المخاوف المحلية.

 

ما أبرز التحديات التي تواجه المرضى اليوم في الحصول على العلاج؟

 

التحديات جسيمة ومتعددة الأبعاد؛ فالمستشفيات القليلة التي ما زالت تعمل باتت مكتظة بالمرضى إلى درجة تفوق طاقتها، وتعاني في الوقت نفسه من نقص واضح في الكوادر الطبية والأجهزة والفحوصات الأساسية، مثل أجهزة الكشف عن حمى الضنك والشكنغونيا. أما الأدوية المنقذة للحياة واللقاحات، فهي معدومة في كثير من المناطق.

 

وتبقى التكلفة عقبة كبرى أمام الأسر؛ إذ يحتاج المريض الواحد في المتوسط إلى أكثر من (100 ألف جنيه) لتلقي العلاج، بينما يصل سعر بعض الأدوية البسيطة ـ مثل “درب البندول” ـ إلى نحو (6 آلاف جنيه)، رغم ندرته في الأسواق. هذه الفجوة الصادمة فتحت الباب أمام جشع بعض تجار الدواء الذين استغلوا الأزمة لمضاعفة الأسعار والمضاربة في السوق.

 

ولا يتوقف النزيف عند معاناة المرضى وحدهم؛ فالأطباء أنفسهم يعيشون تحت ضغط يفوق قدرتهم الإنسانية. فقد أصبح من الصعب التمييز بين الليل والنهار مع ساعات العمل الطويلة والإرهاق المتواصل. في مستشفى سعد رشوان مثلاً، يداوم طبيب واحد ثلاثة إلى أربعة أيام في الأسبوع، يستقبل خلالها ما لا يقل عن (90) مريضاً يومياً، من الثالثة عصراً وحتى التاسعة والنصف مساءً. هذا العبء الثقيل جعل السهر والإجهاد رفيقين دائمين للأطباء، في ظل غياب الدعم الكافي ونقص الكوادر المساعدة.

 

ما المطلوب الآن لتدارك الوضع؟

 

مطالب عاجلة ومحددة: فتح ممرات إنسانية وتسهيل وصول الإمدادات الطبية واللقاحات، رش المبيدات وإزالة البرك الراكدة للحد من أمراض المياه والحشرات، وتوفير الأدوية الأساسية والمحاليل والأجهزة والفِرق الطبية المتخصصة.

نناشد منظمات الصحة العالمية واليونيسف والصليب الأحمر والمنظمات الأهلية والدولية تقديم دعم صحي عاجل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى